رسائل إلى صديق بعيد
الرسالة نوعٌ أدبيّ كاد ينقرض. كتبنا الرسائل يومًا لأننا كنا نملك صبرًا على الانتظار، وكان الانتظار جزءًا من المعنى.

صالح يونس سليمان
بقلم

في خزانة بيتنا القديم صندوق صغير من الخشب، فيه رسائل كتبها جدي إلى صديقه في المدينة. الورق أصفر، والخط مائل، والعبارات تبدأ دائمًا بالسلام والدعاء ثم تدخل في التفاصيل الصغيرة: المطر، المحصول، صحة الوالدة.
بلاغة التفاصيل الصغيرة
لم يكن في تلك الرسائل شيء عظيم، ومع ذلك تقرؤها فتشعر أنك أمام أدب حقيقي. لأن الكاتب كان يعلم أن رسالته ستقطع الطريق في أسابيع، فكان يزنُ كل كلمة.
نحن لا نفتقد البريد، بل نفتقد الصبر الذي كان يصنعه.
أكتب اليوم عشرات الرسائل في اليوم الواحد، ولا أذكر منها شيئًا. وأقرأ رسالة واحدة كُتبت قبل أربعين عامًا فأحفظ جملها.
اقرأ أيضًا
الإنسانية وطنٌ أوسع
قبل أن نكون عربًا أو عجمًا، شمالًا أو جنوبًا، نحن بشرٌ يجمعنا وجعٌ واحد وفرحٌ واحد. الإنسانية ليست شعارًا، بل أوسع وطنٍ يمكن أن ننتمي إليه.
في مدح الوحدة لا التطابق
الوحدة التي تطلب من الناس أن يصيروا نسخةً واحدة ليست وحدة، بل محو. أمّا الوحدة الحقّة فهي أن نختلف ونبقى معًا.
الغريب الذي يشبهنا
كلّنا كان غريبًا مرّة: في مدينة جديدة، في صفٍّ لا نعرف أحدًا فيه، في لغةٍ تتعثّر على لساننا. من تذكّر غربته أحسن استقبال الغرباء.


