الغريب الذي يشبهنا
حين تكفي خطوةٌ زائدة لتجعل العالم أقلَّ غربة
كلّنا كان غريبًا مرة: في مدينة جديدة، أو مكان لا يعرفه، أو لغة تتعثّر على لسانه. ومن يتذكّر غربته يدرك أن الإنسانية قد تبدأ بإرشاد صادق، أو مقعدٍ يُفسَح، أو خطوات قليلة نمشيها مع إنسان لا نعرفه.

صالح يونس سليمان
بقلم

في أول يوم لي في مدينة لا أعرف فيها أحدًا، سألت رجلًا عن الطريق. لم يكتفِ بأن يشير إلى الجهة، بل مشى معي خطوات إضافية حتى تأكد أنني لن أضلّ. لم أعرف اسمه، ولم أره بعد ذلك، لكن فعله الصغير بقي في ذاكرتي عشرين عامًا.
الخطوات الزائدة
المعروف الحقيقي يكمن أحيانًا في الخطوات الزائدة: ما نفعله ونحن غير ملزمين به. فالقوانين تنظّم الحد الأدنى من التعامل بين الناس، أمّا الإنسانية فتبدأ غالبًا عند النقطة التي ينتهي عندها الإلزام.
قد لا يتذكّر الغريب تفاصيل المكان، لكنه يتذكّر جيدًا من عامله كإنسان، ومن أشعره بأنه عبء. مقعد نُفسحه، أو كلمة نشرحها بصبر، أو ابتسامة نمنحها لمن يتعثّر في لغتنا، قد تبدو لنا أمورًا عابرة، لكنها قد تكون له أول نافذة أمان.
أكرم الناس من أحسن إلى من لا يعرفه، ولا ينتظر منه شيئًا.
الخوف من المختلف
كثيرًا ما نخاف من الغريب بسبب صورة صنعناها عنه قبل أن نجلس إليه. نختصره في لهجته أو ملامحه أو بلده، ثم نحاكمه بما سمعناه عن جماعة كاملة، لا بما عرفناه عنه هو.
وقد يكون أسرع دواء لهذا الخوف حديثًا صادقًا أو طعامًا مشتركًا. فما جلس إنسانان إلى مائدة واحدة، وتبادلا شيئًا من حكايتيهما، إلا سقط بينهما جزء من الجفاء، وظهر خلف الاختلاف ذلك الإنسان الذي يشبهنا في خوفه وأمله وحاجته إلى القبول.
حين نتذكّر غربتنا
كلّنا كان غريبًا في وقت ما؛ لذلك لا ينبغي أن نعامل الغريب كأنه جاء من عالم آخر. يكفي أن نتذكّر ارتباكنا الأول لنفهم حاجته، وأن نمنحه ما تمنّينا أن نجده يومًا: وجهًا مطمئنًا، وكلمة واضحة، وخطوات قليلة لا يفرضها الواجب، بل تمليها الإنسانية.
اقرأ أيضًا
جسورٌ لا أسوار
كل سورٍ يُبنى بحجّة الحماية يحمي أهله من الخارج ويحبسهم في الداخل. والجسر وحده هو الذي يجعل الحماية والانفتاح ممكنين معًا.
في مدح الوحدة لا التطابق
الوحدة التي تطلب من الناس أن يصيروا نسخةً واحدة ليست وحدة، بل محو. أمّا الوحدة الحقّة فهي أن نختلف ونبقى معًا.
الإنسانية وطنٌ أوسع
قبل أن نكون عربًا أو عجمًا، من الشمال أو الجنوب، نحن بشرٌ يجمعنا الوجع والفرح والحاجة إلى الرحمة. الإنسانية ليست شعارًا نرفعه، بل أوسع وطن يمكن أن ننتمي إليه من دون أن نفقد خصوصيتنا أو اختلافنا.



