في مدح الوحدة لا التطابق
الوحدة التي تحمي الاختلاف ولا تمحوه
الوحدة التي تطلب من الناس أن يصيروا نسخةً واحدة ليست وحدة، بل محو. أمّا الوحدة الحقّة فهي أن نختلف ونبقى معًا.

صالح يونس سليمان
بقلم

يُساء فهم الوحدة كثيرًا. يظنّها بعضهم إلغاءً للفروق: لغة واحدة، ورأيًا واحدًا، وذوقًا واحدًا. وهذا ليس اجتماعًا بل تعبٌ مؤجَّل، لأن ما يُكبَت اليوم يعود غدًا أشدّ.
بستانٌ لا مصنع
تشبه الأمم الحيّة بستانًا لا مصنعًا؛ ففي المصنع تتطابق القطع، ولذلك يسهل استبدالها، أما في البستان فتختلف الأشجار ويكمل ظلُّ بعضها ثمرَ بعضها. والاختلاف في البستان ليس عيبًا يُصلح، بل ثراءً يحتاج إلى الرعاية.
الوحدة التي تخشى الاختلاف ليست وحدة، بل صمتٌ ينتظر أول خلاف.
ثلاثة شروط
لا تقوم وحدة بلا ثلاثة أمور: عدلٍ لا يستثني أحدًا، وحوارٍ لا يُسكت أحدًا، وذاكرةٍ مشتركة لا تُزوَّر. فإذا غاب العدل صارت الوحدة غطاءً للهيمنة، وإذا غاب الحوار صارت صمتًا، وإذا زُوّرت الذاكرة صارت جرحًا مؤجّلًا.
من الأسرة إلى العالم
أصغر مدرسة للوحدة هي البيت. فمن يتعلّم احتمال أخٍ يختلف عنه في الطباع، يسهل عليه أن يتقبّل جارًا يختلف عنه في الاعتقاد، ثم شعبًا يختلف عنه في اللغة. فالوحدة مهارة نتدرّب عليها في الأشياء الصغيرة قبل المواقف الكبرى.
لسنا بحاجة إلى أن نتطابق كي نبقى معًا؛ بل إلى عدلٍ يحمينا، وحوارٍ يجمعنا، واختلافٍ لا يتحول إلى خصومة.
اقرأ أيضًا
الغريب الذي يشبهنا
كلّنا كان غريبًا مرة: في مدينة جديدة، أو مكان لا يعرفه، أو لغة تتعثّر على لسانه. ومن يتذكّر غربته يدرك أن الإنسانية قد تبدأ بإرشاد صادق، أو مقعدٍ يُفسَح، أو خطوات قليلة نمشيها مع إنسان لا نعرفه.
جسورٌ لا أسوار
كل سورٍ يُبنى بحجّة الحماية يحمي أهله من الخارج ويحبسهم في الداخل. والجسر وحده هو الذي يجعل الحماية والانفتاح ممكنين معًا.
الإنسانية وطنٌ أوسع
قبل أن نكون عربًا أو عجمًا، من الشمال أو الجنوب، نحن بشرٌ يجمعنا الوجع والفرح والحاجة إلى الرحمة. الإنسانية ليست شعارًا نرفعه، بل أوسع وطن يمكن أن ننتمي إليه من دون أن نفقد خصوصيتنا أو اختلافنا.



