الإنسانية وطنٌ أوسع
حين تتّسع دائرة «نحن» لتشمل الإنسان
قبل أن نكون عربًا أو عجمًا، من الشمال أو الجنوب، نحن بشرٌ يجمعنا الوجع والفرح والحاجة إلى الرحمة. الإنسانية ليست شعارًا نرفعه، بل أوسع وطن يمكن أن ننتمي إليه من دون أن نفقد خصوصيتنا أو اختلافنا.

صالح يونس سليمان
بقلم

أول ما يتعلّمه الطفل أن يفرّق: هذا منّا، وهذا ليس منّا. ثم يقضي بقيّة عمره إمّا في توسيع هذه الدائرة أو تضييقها. والحضارة في جوهرها ليست جسورًا وأبراجًا فحسب، بل مقدار ما نجحنا في توسيع دائرة «نحن».
دائرة «نحن»
حين تضيق الدائرة، قد تتحوّل الجماعة إلى سجن، ويصبح الجار غريبًا. وحين تتّسع، يصير الغريب أخًا؛ لا لأنه يشبهنا، بل لأننا أدركنا أن التشابه ليس شرطًا للرحمة، وأن الاختلاف لا يسلب الإنسان حقه في الكرامة.
ليس المطلوب أن نتّفق في كل شيء، بل أن نتّسع لبعضنا.
المسافة بين الخبر والإنسان
نقرأ عن مأساة في أرض بعيدة، فنمرّ عليها كأنها رقم. والأرقام لا تبكي. لكن حين نقرأ اسمًا واحدًا، ونعرف أن له أمًّا تنتظر عودته أو طفلًا يفتقده، ينكسر شيء فينا. ذلك الانكسار هو ما بقي من إنسانيتنا، وينبغي أن نحرسه لا أن نتدرّب على تجاوزه.
أخطر ما قد يصيب القلب أن يعتاد. فالاعتياد على آلام الآخرين يطفئ التعاطف قليلًا قليلًا، حتى يصبح الظلم خبرًا عابرًا، ويغدو الصمت أمامه أمرًا طبيعيًا.
الإنسانية في التفاصيل
الإنسانية لا تُمارَس في المؤتمرات وحدها، بل في التفاصيل اليومية: كلمة لطيفة لعامل متعب، وإنصاف خصم في غيابه، ورفض نكتة تسخر من شعب بأكمله، ويد تمتد إلى محتاج من دون سؤال عن هويته.
لا يحتاج الإنسان إلى إنقاذ العالم كي يكون إنسانيًا؛ يكفي أن يجعل المكان القريب منه أكثر عدلًا ورحمة. فمن عجز عن الإنصاف في مجلسه، لن تنفع العالم بياناته، ومن اتّسع قلبه لإنسان مختلف عنه فقد بدأ ببناء الوطن الأوسع.
اقرأ أيضًا
في مدح الوحدة لا التطابق
الوحدة التي تطلب من الناس أن يصيروا نسخةً واحدة ليست وحدة، بل محو. أمّا الوحدة الحقّة فهي أن نختلف ونبقى معًا.
مساءٌ من زاويةٍ أخرى
نرى الأحداث من مواقع مختلفة، لكن الخطر يبدأ حين نظن أن الزاوية التي نقف فيها هي الحقيقة كلها، فنختصر إنسانًا أو حكايةً كاملة في موقف واحد.
الغياب يمحو الوجوه لا الأثر
قد تغيب الملامح وتبهت التفاصيل، لكن الكلمة الصادقة والموقف النبيل واليد التي امتدت في وقتها تترك أثرًا لا يمحوه الغياب.



