جسورٌ لا أسوار
حين يكون الانفتاح امتدادًا للهوية لا إلغاءً لها
كل سورٍ يُبنى بحجّة الحماية يحمي أهله من الخارج ويحبسهم في الداخل. والجسر وحده هو الذي يجعل الحماية والانفتاح ممكنين معًا.

صالح يونس سليمان
بقلم

يمتلئ التاريخ بأسوارٍ بُنيت لتبقى، ثم تحوّلت إلى أطلال يزورها السيّاح، بينما لا تزال معظم الجسور تؤدي وظيفتها؛ تعبر فوقها الخطوات، وتلتقي من خلالها الجهات التي فرّقتها المسافات.
ما الذي يبقى؟
يبقى ما ينفع الناس: فكرةٌ عبرت من لغة إلى أخرى، ودواءٌ اكتُشف هنا فشفى مريضًا هناك، وقصيدةٌ تُرجمت حتى أبكت إنسانًا لم يعرف لغتها الأولى. تلك هي آثارنا الحقيقية؛ ما ينتقل بين البشر ويضيف إلى حياتهم معنى أو معرفة أو رحمة.
الحضارة سلسلةٌ من أيدٍ تتعاقب، لا يدٌ واحدة ترفع نفسها.
شرط الجسر
لكن الجسر لا يُبنى بالتنازل عن الذات؛ فمن لا يملك شيئًا لا يستطيع أن يمنح، ومن لا يعرف نفسه لا يقدر أن يلتقي الآخر لقاءً حقيقيًا. فالانفتاح الصادق يبدأ بجذرٍ ثابت، ثم يمتد منه غصنٌ نحو العالم.
أن نكون أنفسنا، وأن نكون مع الآخرين؛ معادلة صعبة، لكنها الوحيدة التي تليق بإنسانيتنا.
اقرأ أيضًا
الغريب الذي يشبهنا
كلّنا كان غريبًا مرة: في مدينة جديدة، أو مكان لا يعرفه، أو لغة تتعثّر على لسانه. ومن يتذكّر غربته يدرك أن الإنسانية قد تبدأ بإرشاد صادق، أو مقعدٍ يُفسَح، أو خطوات قليلة نمشيها مع إنسان لا نعرفه.
في مدح الوحدة لا التطابق
الوحدة التي تطلب من الناس أن يصيروا نسخةً واحدة ليست وحدة، بل محو. أمّا الوحدة الحقّة فهي أن نختلف ونبقى معًا.
الإنسانية وطنٌ أوسع
قبل أن نكون عربًا أو عجمًا، من الشمال أو الجنوب، نحن بشرٌ يجمعنا الوجع والفرح والحاجة إلى الرحمة. الإنسانية ليست شعارًا نرفعه، بل أوسع وطن يمكن أن ننتمي إليه من دون أن نفقد خصوصيتنا أو اختلافنا.



