في مدح البطء
حين تصبح المعرفة أثرًا لا عددًا
لم تعد المشكلة أننا لا نعرف، بل أننا نعرف أكثر مما نستطيع هضمه. البطء ليس تخلفًا عن الركب، بل شرطٌ لأن يكون للمعرفة أثر.

صالح يونس سليمان
بقلم

حين يسألني أحدهم: كم كتابًا قرأت هذا العام؟ أشعر أن السؤال لا يصيب جوهر القراءة؛ فالقراءة ليست عدًّا، والمعرفة ليست مخزنًا نكدّس فيه العناوين. قد يغيّرك كتابٌ واحد، وقد تمرّ على مئة كتاب من دون أن يمسّك منها شيء.
أن تمكث في الصفحة
أعظم ما تعلّمته من كتب التراث أن أصحابها كانوا يمكثون طويلًا عند المعنى. يقرأ أحدهم الصفحة، فيقيم عندها أيامًا؛ يقلّبها، ويناقشها، ويكتب في حاشيتها. لم يكونوا يسابقون أحدًا، لأن الوقت عندهم لم يكن سلعة، ولأن المعرفة لا تنضج تحت ضغط العجلة.
ليست العبرة بكثرة ما تقرأ، بل بما بقي فيك بعد أن تنسى.
بين الضجيج والصفاء
نعيش في عالم يقيس قيمتنا بسرعة الاستجابة وكثرة الإنجاز، مع أن أجمل ما أنتجه الإنسان وُلد من فترات صمت طويلة: قصيدة كُتبت في ليل، وفكرة نضجت على مهل، وصداقة بُنيت عبر سنوات.
لذلك أدعو نفسي قبل غيري إلى استعادة البطء: أن أقرأ كتابًا واحدًا وأحسن قراءته، وأن أكتب أقلّ وأجود، وأن أترك للفكرة وقتها حتى تختمر؛ فليس كل تأخرٍ ضياعًا، وبعض المعاني لا تصل إلا إلى من ينتظرها.
اقرأ أيضًا
عن الكتابة حين لا يقرأ أحد
لا تُقاس قيمة الكتابة بعدد القرّاء، فقد تبدأ الكلمة محاولةً لفهم الذات قبل أن تصبح رسالةً إلى الآخرين. تأملٌ في الكتابة بعيدًا عن ضجيج الأرقام وانتظار التصفيق.
شايٌ في المساء
قد لا نحتاج دائمًا إلى إجازة طويلة كي نستعيد أنفسنا؛ فأحيانًا يكفينا كوب شاي، ونافذة هادئة، ودقائق قليلة لا يملكها أحد سوانا. تأملٌ في الطقوس الصغيرة التي تمنح أيامنا شيئًا من الصفاء والتوازن.
قراءة في «أدب الدنيا والدين»
ليس كتاب الماوردي مجموعة مواعظ عابرة، بل بناء متكامل يبدأ بالعقل، ويمرّ بالعلم والدين والدنيا، وينتهي بتهذيب النفس. قراءة في كتاب تراثي ما زال قادرًا على مخاطبة الإنسان في علاقته بذاته وبالآخرين.



