عن الكتابة حين لا يقرأ أحد
حين تصبح الكلمة وسيلةً للفهم لا طلبًا للتصفيق
لا تُقاس قيمة الكتابة بعدد القرّاء، فقد تبدأ الكلمة محاولةً لفهم الذات قبل أن تصبح رسالةً إلى الآخرين. تأملٌ في الكتابة بعيدًا عن ضجيج الأرقام وانتظار التصفيق.

صالح يونس سليمان
بقلم

سُئلت مرة: لماذا تكتب وأنت تعلم أن القرّاء قليل؟ فأجبت بما أراه صحيحًا حتى اليوم: أكتب أولًا لنفسي.
الكتابة عندي أشبه بترتيب غرفة مبعثرة. لا أعرف ما أفكر فيه حقًا حتى أراه مكتوبًا أمامي.
لا تكتب لتُقرأ، اكتب لتفهم. ومن فهم، قُرئ.
ثم إن للقلة بركة. عشرة قرّاء يقرؤون بعناية خيرٌ من ألفٍ يمرّون مرور العابرين.
حين تصبح الكتابة مرآة
نظنّ أحيانًا أننا نعرف ما نشعر به، حتى نحاول كتابته؛ عندها نكتشف مقدار الغموض الذي كان يختبئ خلف الكلمات السريعة. فالكتابة لا تنقل أفكارنا فقط، بل تختبرها وتعيد ترتيبها، وتكشف لنا ما كنّا نعجز عن رؤيته وهو مزدحم في داخلنا.
لهذا قد تكون الصفحة أول قارئٍ حقيقيّ لنا؛ لا تقاطعنا، ولا تجاملنا، ولا تطلب منّا أن نبدو أفضل مما نحن عليه. وحين نكتب بصدق، تتحوّل الفوضى إلى معنى، ويصبح ما كان يؤلمنا من دون اسم شيئًا نستطيع النظر إليه وفهمه.
القارئ ليس رقمًا
علّمتنا المنصّات أن ننظر إلى الكلمة من خلال عدد المشاهدات والإعجابات، حتى صار بعض الكتّاب يراجعون قيمة ما كتبوه في ضوء استجابة عابرة. لكن النصّ الجيد لا يفقد معناه لأن القارئ تأخّر، كما أن ازدحام الناس حول كلامٍ ما لا يجعله أعمق أو أصدق.
قد تمرّ الكلمات أمام مئات العيون ولا تبلغ إنسانًا واحدًا، وقد يقرأها شخصٌ واحد في لحظة يحتاج إليها فتغيّر شيئًا في داخله. لذلك لا تكون المسألة دائمًا: كم شخصًا قرأ؟ بل: هل وصلت الكلمة إلى من كان مستعدًا لسماعها؟
قد يتأخّر القارئ، لكن الكلمة الصادقة لا ينتهي موعدها.
أن نكتب رغم الصمت
الكتابة في غياب التفاعل امتحانٌ للنيّة: هل نكتب لأن لدينا شيئًا يستحق أن يُقال، أم لأننا نحتاج إلى شاهدٍ سريع يؤكّد وجودنا؟ حين يتحرّر الكاتب من انتظار التصفيق، تصبح كلمته أصدق، ويصبح الصمت المحيط بها مساحةً للنضج لا حكمًا عليها بالفشل.
اكتب لأن فكرةً في داخلك تحتاج إلى شكل، ولأن تجربةً عشتها قد تصبح يومًا نافذةً لإنسان لا تعرفه. قد لا تجد الكلمة قارئها اليوم، لكن يكفي أن تكون صادقةً كي تظلّ مستعدّةً للقائه غدًا.
مساحة للحوار
جارٍ تحميل التعليقات…
اقرأ أيضًا
في مدح البطء
لم تعد المشكلة أننا لا نعرف، بل أننا نعرف أكثر مما نستطيع هضمه. البطء ليس تخلفًا عن الركب، بل شرطٌ لأن يكون للمعرفة أثر.
رسائل إلى صديق بعيد
الرسالة نوعٌ أدبيّ كاد ينقرض. كتبنا الرسائل يومًا لأننا كنا نملك صبرًا على الانتظار، وكان الانتظار جزءًا من المعنى.
قراءة في «أدب الدنيا والدين»
ليس كتاب الماوردي مجموعة مواعظ عابرة، بل بناء متكامل يبدأ بالعقل، ويمرّ بالعلم والدين والدنيا، وينتهي بتهذيب النفس. قراءة في كتاب تراثي ما زال قادرًا على مخاطبة الإنسان في علاقته بذاته وبالآخرين.



