شايٌ في المساء
حين تصبح الطقوس الصغيرة ملاذًا من ضجيج الأيام
قد لا نحتاج دائمًا إلى إجازة طويلة كي نستعيد أنفسنا؛ فأحيانًا يكفينا كوب شاي، ونافذة هادئة، ودقائق قليلة لا يملكها أحد سوانا. تأملٌ في الطقوس الصغيرة التي تمنح أيامنا شيئًا من الصفاء والتوازن.

صالح يونس سليمان
بقلم

لا أظن أن عادةً أنقذتني من ضجيج الأيام مثل كوب الشاي بعد العصر. في تلك الساعة التي يهدأ فيها الضوء ويميل إلى الذهبي، أجلس قرب النافذة من دون استعجال. أُبعد الهاتف، وقد لا أحمل كتابًا؛ فأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى شيء سوى أن يجلس مع نفسه قليلًا.
موعدٌ صغير مع النفس
لا يحمل كوب الشاي حلًّا للمشكلات، ولا يغيّر ما حدث خلال النهار، لكنه يصنع مسافة هادئة بيننا وبين ما أثقلنا. وفي تلك المسافة نستعيد أنفاسنا، ونرى الأشياء بحجمها الحقيقي بعد أن بدت أكبر تحت ضغط التعب والانشغال.
في مديح الطقوس الصغيرة
الطقوس الصغيرة تمنح اليوم عمودًا فقريًا. حين نعرف أن هناك لحظة قادمة تخصّنا وحدنا، يصبح احتمال ما قبلها أيسر. قد تكون كوب شاي، أو نزهة قصيرة، أو نافذة نتأمل منها المساء؛ فالقيمة ليست في شكل الطقس، بل في حضوره الصادق والمتكرر.
نبحث أحيانًا عن الراحة في السفر والابتعاد، مع أن بعض السكينة يسكن في تفاصيل قريبة لا ننتبه إليها. ليست كل استراحة هروبًا من الحياة؛ فقد تكون عودةً إليها بقلب أقل ازدحامًا وعقل أكثر صفاءً.
ليست الراحة في طول الوقت، بل في صفائه.
لهذا أحب شاي المساء؛ لا لأنه عادة فحسب، بل لأنه تذكير يومي بأن للإنسان حقًا في لحظة لا يطالبه فيها أحد بشيء. عشرون دقيقة هادئة قد لا تغيّر العالم، لكنها قد تعيد إلينا القدرة على مواجهته.
مساحة للحوار
جارٍ تحميل التعليقات…
اقرأ أيضًا
عن الكتابة حين لا يقرأ أحد
لا تُقاس قيمة الكتابة بعدد القرّاء، فقد تبدأ الكلمة محاولةً لفهم الذات قبل أن تصبح رسالةً إلى الآخرين. تأملٌ في الكتابة بعيدًا عن ضجيج الأرقام وانتظار التصفيق.
مدينةٌ في الذاكرة
قد تتغيّر المدن وتتبدّل ملامحها، لكن بعض الأزقّة والروائح والأصوات تظلّ حيّةً في داخلنا. تأملٌ في الأمكنة التي غادرناها، وبقيت تسكن ذاكرتنا وتحفظ نسخًا قديمةً منّا.


