مدينةٌ في الذاكرة
عن الأمكنة التي نغادرها ولا تغادرنا
قد تتغيّر المدن وتتبدّل ملامحها، لكن بعض الأزقّة والروائح والأصوات تظلّ حيّةً في داخلنا. تأملٌ في الأمكنة التي غادرناها، وبقيت تسكن ذاكرتنا وتحفظ نسخًا قديمةً منّا.

صالح يونس سليمان
بقلم

عدت إلى الحي بعد غياب طويل، فوجدت أن الأبنية تغيّرت والأسماء تبدّلت، لكن رائحة الخبز عند المنعطف بقيت كما هي. غريبٌ كيف تحفظ الرائحة ما تنساه العين.
لم أكن أبحث عن بيتٍ بعينه، ولا عن وجهٍ أعرفه؛ كنت أبحث عن ذلك الإنسان الذي كنته يومًا وأنا أعبر هذه الطرق. فالعودة إلى الأمكنة القديمة ليست زيارةً للماضي فحسب، بل محاولة للقاء نسخةٍ منّا تركناها هناك ومضينا.
خرائط لا تُرسم
لكلّ واحدٍ منّا خريطة سرّية لمدينته: المقهى الذي كتب فيه أول نصّ، والرصيف الذي مشى عليه بعد خبرٍ ثقيل، والشجرة التي انتظر تحتها. هذه الخريطة لا تظهر في أيّ تطبيق؛ لأنها لا تُرسم بأسماء الشوارع، بل بما تركته الأماكن في أرواحنا.
لا تحفظ الذاكرة شوارع المدينة كما تحفظها الخرائط؛ إنها تنتقي منها ما مسّ القلب. قد تنسى أسماء الطرق، لكنها لا تنسى نافذةً كان ينتظرك خلفها وجهٌ عزيز، أو دكّانًا صغيرًا ارتبط بصباحات الطفولة، أو درجًا جلست عليه يومًا مثقلًا بما لم تستطع قوله.
المدينة ليست ما تراه، بل ما تتذكّره وأنت بعيدٌ عنها.
حين تكبر المدينة من دوننا
تواصل المدن حياتها بعد رحيلنا؛ تُهدم بيوت، وتُفتح طرق، وتتبدّل الوجوه واللافتات. وحين نعود، نكتشف أن المكان لم يتوقّف في انتظارنا، وأننا نحن أيضًا لم نعد الأشخاص الذين غادروه. يبقى الاسم واحدًا، لكن المدينة والزائر يحمل كلٌّ منهما زمنًا مختلفًا.
ومع ذلك، تكفي رائحة خبز، أو صوت بائعٍ قديم، أو انحناءة زقاقٍ مألوف، كي يسقط الزمن للحظة ونشعر أننا لم نغادر. فبعض التفاصيل الصغيرة لا تعيد إلينا المكان كما كان، لكنها تعيد إلينا إحساسنا الأول به.
ما يبقى من المدن
حين نرحل عن مدينة، لا نغادر مكانًا فحسب، بل نترك وراءنا نسخةً منّا عاشت هناك ولن تكبر معنا. نظلّ نتذكّرها كما كانت، بينما تواصل هي أيامها من دون أن تعرف مقدار ما حملناه منها.
لذلك لا تكون العودة الحقيقية إلى الأزقّة والبيوت، بل إلى ما بقي منها فينا. فالمدينة التي تسكن الذاكرة لا تهدمها الجرافات، ولا تغيّر أسماءها الخرائط؛ لأنها أصبحت جزءًا من الحكاية التي نروي بها أنفسنا.
مساحة للحوار
جارٍ تحميل التعليقات…
اقرأ أيضًا
رسائل إلى صديق بعيد
الرسالة نوعٌ أدبيّ كاد ينقرض. كتبنا الرسائل يومًا لأننا كنا نملك صبرًا على الانتظار، وكان الانتظار جزءًا من المعنى.
شايٌ في المساء
قد لا نحتاج دائمًا إلى إجازة طويلة كي نستعيد أنفسنا؛ فأحيانًا يكفينا كوب شاي، ونافذة هادئة، ودقائق قليلة لا يملكها أحد سوانا. تأملٌ في الطقوس الصغيرة التي تمنح أيامنا شيئًا من الصفاء والتوازن.
الغياب يمحو الوجوه لا الأثر
قد تغيب الملامح وتبهت التفاصيل، لكن الكلمة الصادقة والموقف النبيل واليد التي امتدت في وقتها تترك أثرًا لا يمحوه الغياب.



