لماذا يحب الدماغ اليقين؟
نقول إننا نبحث عن الحقيقة، لكن العقل قد يبحث أحيانًا عن شيء يسبقها: أن تنتهي حيرة السؤال ويستعيد العالم وضوحه.
لا يتعامل الإنسان مع أفكاره بوصفها معلومات مجردة دائمًا؛ فبعضها يرتبط بالهوية والانتماء والذاكرة والإيمان والصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. لذلك قد يصبح اليقين مصدرًا للطمأنينة بقدر ما يكون موقفًا معرفيًا. فمتى يساعدنا اليقين على العيش، ومتى يمنعنا من رؤية ما يخالفه؟ وهل الشك نقيض الإيمان والحقيقة، أم قد يكون أحيانًا طريقًا لتنقيتهما؟

صالح يونس سليمان
بقلم

حين يصبح الجواب راحة
عدم اليقين ليس مجرد فراغ في المعرفة. حين لا نعرف، تبقى أمامنا احتمالات متعددة، وعلينا أن نقارن ونراجع وننتظر، وربما نغيّر قرارنا. ولهذا يتحدث علم النفس عن «الحاجة إلى الإغلاق المعرفي»؛ أي الميل، بدرجات متفاوتة، إلى الوصول إلى إجابة حاسمة والخروج من حالة الغموض. وهنا تظهر مفارقة إنسانية دقيقة: قد لا يكون أول جواب نطمئن إليه هو الأكثر صدقًا دائمًا، بل الأكثر قدرة على إعادة الأرض إلى أقدامنا.
ليس كل يقينٍ حقيقة… أحيانًا يكون اليقين مكانًا نستريح فيه من تعب السؤال.
الفكرة لا تدخل وحدها
نخطئ حين نتصور أن أفكارنا تعيش في العقل منفصلة عن بقية حياتنا. فبعض الأفكار يرتبط بالطفولة والأسرة والذاكرة والانتماء والإيمان والخوف والأمل، وربما بالصورة التي كوّنها الإنسان عن نفسه والعالم. ولهذا فإن مراجعة اعتقاد عميق لا تشبه دائمًا تصحيح معلومة خاطئة. فعندما تهتز فكرة بنينا حولها جزءًا من هويتنا، قد يعمل في داخلنا سؤال آخر غير: هل هذه الفكرة صحيحة؟ قد يصبح السؤال: ماذا سيبقى مني إن لم تكن صحيحة؟ وهنا يستطيع العقل، من دون أن نشعر، أن ينتقل من البحث عن الأدلة إلى الدفاع عما سبق أن اعتقده؛ فنلاحظ ما يؤيد الفكرة بسهولة أكبر، ونقاوم أحيانًا ما يربكها أو يناقضها.
ليست مشكلة المؤمن وحده
من السهل أن نرى هذا الميل في معتقدات الآخرين، والأصعب أن نراه في أنفسنا. فهو ليس حكرًا على الدين. قد يتمسك المؤمن بتفسير لأنه يوافق اعتقاده، ويتمسك غير المؤمن بقناعة للسبب نفسه، ويدافع السياسي عن أيديولوجيته، والمثقف عن رؤيته، والإنسان العادي عن الصورة التي رسمها لشخص يحبه أو يكرهه. المشكلة إذن ليست في أن نمتلك معتقدات؛ فلا أحد يبدأ التفكير كل صباح من الصفر. المشكلة تبدأ عندما يصبح ما نعتقده شرطًا لما نسمح لأنفسنا بأن نراه.
الخطر ليس أن تؤمن بفكرة؛ بل أن تصبح الفكرة هي التي تقرر نيابةً عنك ما يحق لك أن تراه.
وهل الشك فضيلة دائمًا؟
فالشك لمجرد الشك لا يقود بالضرورة إلى الحقيقة، وقد يتحول هو أيضًا إلى موقف مغلق. والإنسان يحتاج إلى قدر من الثقة واليقين كي يقرر ويحب ويبني ويلتزم. كما أن عدم اليقين ليس خللًا ينبغي التخلص منه دائمًا؛ فالقدرة على إدراكه تساعدنا على التعلم وتعديل قراراتنا عندما تتغير المعلومات والظروف. لذلك ليست المسألة معركة بين يقين سيئ وشك جيد. السؤال أدق من ذلك:
هل أملك يقيني… أم يملكني؟
الإيمان الذي لا يخاف النافذة
هنا يلتقي السؤال النفسي بالفلسفي والروحي. فالإيمان العميق لا يحتاج بالضرورة إلى إطفاء الأسئلة حتى يبقى حيًا. وقد يكون السؤال الصادق أحيانًا غربالًا يسقط منه ما ورثناه بلا فحص، وما أضفناه خوفًا، وما اعتدنا عليه حتى حسبناه جزءًا من الحقيقة. ولعل هناك فرقًا كبيرًا بين إنسان يقول: أنا مطمئن إلى ما أؤمن به، وإنسان يحتاج إلى إسكات كل سؤال كي يحافظ على طمأنينته. الأول يستطيع أن يفتح النافذة. أما الثاني، فقد يخشى أن يغيّر الهواء ترتيب الغرفة.
شجاعة «لا أعرف»
ربما لا يكون النضج أن نعثر على جواب لكل شيء. هناك أسئلة لا نملك لها جوابًا كاملًا، والاعتراف بذلك ليس هزيمة للعقل. أحيانًا تكون عبارة «لا أعرف» أكثر صدقًا من جواب سريع صنعناه فقط لأن الفراغ أخافنا. فالقدرة على البقاء أمام السؤال قليلًا، والبحث، والمراجعة، وتغيير الرأي عندما يظهر ما يستحق ذلك، ليست ضعفًا في اليقين؛ إنها جزء من الأمانة مع الحقيقة.
العقل الذي يسأل لا يهدم بالضرورة ما يؤمن به. قد يفعل شيئًا أصعب وأجمل: ينقّي معرفته من الوهم، وفكرته من التعصب، وإيمانه مما أُلصق به خوفًا أو عادة. ولذلك ربما لا يكون الامتحان الحقيقي في الأفكار التي نناقشها كل يوم، بل في تلك التي وضعنا حولها سياجًا وقلنا لأنفسنا: هذه لا تُسأل.
كم فكرة نحملها لأنها صمدت أمام السؤال… وكم فكرة نحملها فقط لأننا لم نسمح للسؤال بالاقتراب منها؟
اقرأ أيضًا
البصيرة أبعد من العين
فقد طه حسين بصره صغيرًا، لكنه رفض أن يجعل العتمة تعريفًا لحياته، ففتح بالمعرفة نافذةً أخرى ورأى بعقله ما عجزت عن رؤيته عيون كثيرة.
العظيم لا يحتاج إلى نبوءة
سعى بعض القرّاء إلى العثور على أنبيائهم ورموزهم في نصوص أمم وثقافات أخرى. لكن وراء البحث عن النبوءة سؤال أكثر عمقًا: لماذا نحتاج إلى أن نجد ما نؤمن به في ذاكرة الآخر؟ تأملٌ في الإيمان والرغبة في اليقين وأمانة القراءة، ينتهي باكتشاف قد يكون أهم من العثور على الاسم الذي بحثنا عنه.
من التراب… وفي أجسادنا ذاكرة النجوم
تبدأ حكاية أجسادنا قبل الأرض: بعض عناصرها وُلد في النجوم، وبعضها يعود إلى بدايات الكون. لكن كيف صار لهذه المادة وعيٌ يسأل عن نفسه؟ تأمل في العلم والروح، وفي الأثر الإنساني الذي نتركه بين المجيء والرحيل.



