العظيم لا يحتاج إلى نبوءة
لماذا نبحث عن أنبيائنا ورموزنا في كتب الآخرين، وماذا يكشف هذا البحث عن حاجتنا إلى أن يرى الآخر ما نراه نحن؟
سعى بعض القرّاء إلى العثور على أنبيائهم ورموزهم في نصوص أمم وثقافات أخرى. لكن وراء البحث عن النبوءة سؤال أكثر عمقًا: لماذا نحتاج إلى أن نجد ما نؤمن به في ذاكرة الآخر؟ تأملٌ في الإيمان والرغبة في اليقين وأمانة القراءة، ينتهي باكتشاف قد يكون أهم من العثور على الاسم الذي بحثنا عنه.

صالح يونس سليمان
بقلم

حين نبحث عن أنفسنا في كتابٍ لا يشبه كتابنا
من أغرب ما يفعله الإنسان أنه لا يكتفي أحيانًا بأن يؤمن بما يحب؛ يريد أن يعثر عليه في ذاكرة الآخرين أيضًا. يفتح كتابًا لا ينتمي إلى دينه، ويبحث بين سطوره عن اسم يعرفه، أو وصف يشبه نبيًا يؤمن به، أو إشارة يمكن أن تقوده إلى شخصية يقدّسها. فهذا يبحث عن محمد في نصوص سبقت الإسلام، وآخر يقرأ نبوءات أقدم بحثًا عن عيسى، وغيرهما يتتبع إشارات يربطها بموسى أو علي في تراث أمم بعيدة. تختلف الأسماء والكتب، لكن الفعل الإنساني واحد: نذهب إلى ذاكرة الآخر بحثًا عن شيء من ذاكرتنا. والسؤال المثير ليس فقط: هل وجدناه؟ بل: لماذا نريد بشدة أن نجده؟
هل نبحث عن الدليل… أم عن الطمأنينة؟
ربما لا يكون الإنسان، في بعض هذه الرحلات، باحثًا عن البرهان وحده. هناك شيء أكثر خفاءً: تلك الطمأنينة التي يشعر بها حين يظن أن ما يقدّسه لم يبق داخل حدود جماعته، بل عبر الأزمنة واللغات والثقافات، وترك أثرًا في كتاب لم يكتبه أتباعه. وكأن اعتراف الآخر يمنح اليقين صدى إضافيًا. وكأن القلب، قبل الباحث، هو الذي يقلب الصفحات.
كأن القلب يقول للعالم: انظروا… ما أحببته أنا، عرفتموه أنتم أيضًا.
بين النص وما نريد أن نقرأه فيه
التشابه يثير الفضول، لكنه لا يكفي وحده لصناعة حقيقة تاريخية. قد تتشابه الأسماء، وتتقاطع الصفات، وتنتقل الحكايات بين الشعوب، كما أن بعض النصوص القديمة وصل إلينا بعد قرون من النسخ والتحرير والتفسير. ولهذا لا يكفي أن نعثر على كلمة قريبة من اسم نعرفه حتى نقول: هذه نبوءة. ولا أن نجد وصفًا يحتمل أكثر من معنى فنمنحه المعنى الذي نريده. وهنا يظهر سؤال قد يكون أصعب على الإنسان من العثور على الإجابة: ماذا لو كانت الرواية التي أحببتها جميلة… لكنها غير ثابتة؟ هل نخسر شيئًا؟
هل يحتاج العظيم إلى شاهد؟
هل تنقص قيمة محمد إن لم نجد اسمه في مخطوطة بعيدة؟ وهل يحتاج عيسى إلى شاهد من حضارة أخرى حتى تبقى رسالته حاضرة؟ وهل يحتاج موسى إلى نقش غامض، أو علي إلى نبوءة من أرض بعيدة، حتى تبقى الأسئلة والقيم المرتبطة بهم حيّة في ذاكرة البشر؟ العظيم لا يصبح أعظم لأننا وجدنا اسمه في كتاب آخر، والحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة لأن حضارة بعيدة أشارت إليها. بل ربما يكون احترامنا لما نؤمن به أعمق حين لا نحمّله ما لا نستطيع إثباته.
العظيم لا يحتاج إلى نبوءة.
ماذا لو قرأنا كتب الآخرين بطريقة معاكسة؟
بدل أن نفتح كتاب الآخر ونسأل: أين نحن فيه؟ ماذا لو سألنا: ماذا يوجد فيه مما يشبهنا؟ فالإنسان، قبل أن يختلف في أسماء الأنبياء والرموز والكتب، وقف أمام الأسئلة الكبرى نفسها: لماذا نحن هنا؟ ما العدل؟ لماذا نتألم؟ ماذا يعني الموت؟ هل للحياة غاية؟ وكيف يكون الإنسان صالحًا حين يستطيع أن يكون ظالمًا؟ اختلفت الأجوبة كثيرًا، لكن مجرد وجود هذه الأسئلة في حضارات متباعدة يكشف شيئًا يستحق التأمل: البشر لم يتشاركوا الأرض وحدها؛ تشاركوا الحيرة أيضًا.
حين نذهب بحثًا عن المقدّس… فنجد الإنسان
تستحق كتب الحضارات الأخرى أن تُقرأ حتى حين لا نجد فيها الاسم الذي ذهبنا نبحث عنه. ففيها بشرٌ أحبّوا وخافوا، سألوا عن الموت والعدل، وحاولوا أن يفهموا مكانهم في العالم.
نفتح كتاب الآخر بحثًا عن اسمٍ نعرفه، فنجد فيه سؤالًا نعرفه أيضًا. ليست المفاجأة أن الآخرين سبقونا إلى رموزنا؛ بل أننا التقيناهم في حيرةٍ ظننّاها لنا وحدنا.
ولعل القراءة الأمينة تبدأ حين نترك الكتاب يتكلم بلغته، ونمنح أنفسنا شجاعة الإصغاء. قد لا نجد الاسم الذي جئنا من أجله، لكننا قد نجد إنسانًا لم نكن نراه.
اقرأ أيضًا
قراءة في «أدب الدنيا والدين»
ليس كتاب الماوردي مجموعة مواعظ عابرة، بل بناء متكامل يبدأ بالعقل، ويمرّ بالعلم والدين والدنيا، وينتهي بتهذيب النفس. قراءة في كتاب تراثي ما زال قادرًا على مخاطبة الإنسان في علاقته بذاته وبالآخرين.
لماذا يحب الدماغ اليقين؟
لا يتعامل الإنسان مع أفكاره بوصفها معلومات مجردة دائمًا؛ فبعضها يرتبط بالهوية والانتماء والذاكرة والإيمان والصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. لذلك قد يصبح اليقين مصدرًا للطمأنينة بقدر ما يكون موقفًا معرفيًا. فمتى يساعدنا اليقين على العيش، ومتى يمنعنا من رؤية ما يخالفه؟ وهل الشك نقيض الإيمان والحقيقة، أم قد يكون أحيانًا طريقًا لتنقيتهما؟
من التراب… وفي أجسادنا ذاكرة النجوم
تبدأ حكاية أجسادنا قبل الأرض: بعض عناصرها وُلد في النجوم، وبعضها يعود إلى بدايات الكون. لكن كيف صار لهذه المادة وعيٌ يسأل عن نفسه؟ تأمل في العلم والروح، وفي الأثر الإنساني الذي نتركه بين المجيء والرحيل.



