إنسانيات4 دقائق قراءة

من أغمض عيني العدالة؟

كيف تحولت عصابةٌ وُضعت للسخرية من عجز العدالة إلى أشهر رموز حيادها؟ ولماذا لا يكفي أن تكون العدالة عمياء كي تكون منصفة؟

نراها في المحاكم والكتب والأفلام: امرأة تحمل ميزانًا وسيفًا وتغطي عينيها عصابة. نظن أن صورتها وُلدت رمزًا للحياد، لكن تاريخها يخفي مفارقة مدهشة؛ فالعصابة ظهرت أولًا للسخرية من عدالة يمكن تضليلها، ثم انقلب معناها مع الزمن وأصبحت علامةً على المساواة أمام القانون. وبين المعنيين يبقى السؤال الأهم: هل تكون العدالة منصفة حين لا ترى الوجوه، أم حين ترى الجميع ولا تخضع لأحد؟

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

تصوير رمزي لسيدة العدالة مفتوحة العينين، بينما يضع أحمقٌ العصابة على عينيها من الخلف، وهي تحمل ميزانًا متوازنًا وسيفًا منخفضًا داخل قاعة تاريخية.
لحظة رمزية تستعيد المعنى الأول لعصابة العدالة؛ حين لم تكن علامةً على الحياد، بل تحذيرًا من عدالة تُحرم من الرؤية ويسهل تضليلها.

السؤال المختبئ في التمثال

أغرب ما في تمثال العدالة ليس الميزان الذي تحمله، ولا السيف في يدها، بل العصابة التي تغطي عينيها.

نراها اليوم رمزًا للحياد: عدالة لا تميّز بين غني وفقير، أو قوي وضعيف، ولا تنحاز إلى اسم أو لون أو انتماء.

لكن العصابة لم تولد بهذا المعنى.

حين كانت العدالة مفتوحة العينين

كانت صور العدالة في العالمين اليوناني والروماني مفتوحة العينين. ظهرت تيميس وديكي عند اليونان، ثم يوستيتيا عند الرومان، بوصفهن تجسيدًا للنظام والقانون والإنصاف.

كان فتح العينين مفهومًا؛ فالعدل يحتاج إلى عين ترى، وعقل يميّز، وبصيرة تكشف الخداع. لم يكن تجاهل الوجوه فضيلة، بل كان حسن النظر جزءًا من الحكمة.

ومن ريشة ماعت في مصر القديمة إلى ميزان ديكي ويوستيتيا، رافقت الموازنةُ فكرةَ العدالة قرونًا طويلة قبل أن تظهر العصابة على عينيها.

الأحمق الذي عصب عينيها

في سنة 1494، نُشر في مدينة بازل كتاب ساخر بعنوان «سفينة الحمقى» للكاتب سيباستيان برانت. وفي أحد نقوشه الخشبية ظهر أحمق يقترب من العدالة ويعصب عينيها.

لم يكن المشهد احتفاءً بحيادها، بل سخريةً من عجزها. فالعدالة التي لا ترى ما يحدث أمامها يسهل خداعها، وقد تتحول إلى أداة في يد من يمسك بالميزان ويوجه السيف.

أول عصابةٍ على عيني العدالة لم تكن تكريمًا لها، بل اتهامًا لها بالعجز.

كان الأحمق في الصورة لا يحمي العدالة من التحيز، بل يحرمها من الرؤية. وكأن النقش يحذر من أن القانون قد يحتفظ بمظهره المهيب، بينما يُقاد في الخفاء إلى غير ما وُجد من أجله.

حين انقلب معنى العصابة

ثم حدث أمر عجيب: مرّت القرون، وانقلب معنى الرمز.

أصبحت العصابة علامةً على أن القاضي لا يرى وجوه المتخاصمين ولا مكانتهم، ولا يتأثر بالثروة أو السلطة أو الشهرة، بل ينظر إلى الأدلة والحقوق وحدها.

لم تتغير قطعة القماش، لكن الحكاية التي يرويها الناس عنها تغيرت. وما كان رمزًا للعمى والعجز أصبح رمزًا للتجرد والحياد.

يكشف هذا التحول أن الرموز لا تحمل معنى ثابتًا إلى الأبد؛ فقد تستعير الأجيال صورةً قديمة، ثم تمنحها رسالةً لم تكن موجودة عند ولادتها.

ليس كل عمى حيادًا

ومع ذلك، بقي داخل العصابة تحذيرها القديم:

ليس كل عمى حيادًا.

فالعدالة التي تتعامى عن نفوذ القوي عادلة، أما التي لا ترى ضعف المظلوم فليست كذلك. والحياد لا يعني أن نقف في منتصف المسافة بين المعتدي وضحيته، بل أن نقف حيث يقف الحق.

والمساواة لا تعني دائمًا معاملة الجميع بالطريقة نفسها؛ لأن شخصين قد يقفان أمام القانون، بينما يمتلك أحدهما المال والنفوذ وأفضل المحامين، ولا يمتلك الآخر حتى من يسمع صوته.

حين نتجاهل هذا الاختلال، قد نمنح الظلم مظهرًا قانونيًا، ونسمّي العجز عن الإنصاف حيادًا.

الميزان والسيف والعصابة

الميزان وحده لا يضمن الإنصاف؛ فقد تكون الكفتان متساويتين في الظاهر، بينما يخفي إحداهما ثقلًا لا يُرى.

والسيف وحده قد يحول العدالة إلى انتقام، والعصابة وحدها قد تتحول من حياد إلى لامبالاة.

لا تصنع الرموز عدالةً؛ الذي يصنعها هو الضمير الذي يستخدمها.

ما الذي ينبغي للعدالة أن تراه؟

من ريشة ماعت إلى ميزان تيميس وسيف يوستيتيا، تغيرت صورة العدالة، لكن سؤالها بقي واحدًا:

هل نحكم على الإنسان بمكانته، أم بما له وما عليه من حق؟

ليست العدالة ألّا ترى، بل أن ترى الجميع دون أن تنحاز؛ أن ترى الضعيف فلا تنساه، وترى القوي فلا تخشاه.

فربما لم تكن العدالة بحاجة إلى عصابة على عينيها بقدر حاجتها إلى بصيرة لا تُضلَّل، وضمير لا يُشترى.

العدالة ليست عمياء؛ إنها ترى كل شيء، لكنها لا تنحني لأحد.

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

إنسانيات11 دقائق قراءة

فرفوريوس الصوري… حين يصبح ترتيب العالم طريقًا إلى النجاة

لم يكن فرفوريوس الصوري مجرد تلميذٍ لأفلوطين أو محررٍ لكتبه؛ كان عقلًا يبحث عن النظام وسط عالمٍ مضطرب ونفسٍ عرفت العتمة. من ترتيب «التاسوعات» إلى «إيساغوجي» وشجرة التصنيف، ومن تفسير الأسطورة إلى الدفاع عن الحيوان، تكشف حياته عن فيلسوف رأى في ترتيب الأفكار وتخفيف الرغبات وتوسيع دائرة العدالة وسائل مختلفة لإعادة الإنسان إلى ذاته.

أدب3 دقائق قراءة

التصفيق فوق سفينة تغرق

على سفينة أنهكتها الرحلات، يستولي رجال على غرفة القيادة ويَعِدون الركاب بالنجاة. لكن الماء يواصل صعوده، وتنشغل الأيدي بإقامة الحواجز والتصفيق. حكاية رمزية عن الإقصاء والعمى الجماعي، وعن مصيرٍ مشترك لا تحميه الأبواب المغلقة.