كلُّ شيءٍ يدلّ عليه… ولا شيء يشبهه
من أثر القدرة إلى سؤال القادر، ومن الرسول إلى المُرسِل
قد يخبرنا الأثر أن أحدًا مرّ، لكنه لا يكشف لنا وجهه. ومن هذا الفرق بين الدلالة والإحاطة تبدأ رحلة العقل من العالم المشهود إلى سؤال الغيب، ثم إلى معنى الرسالة وحدود ما نعرفه عن الله.

صالح يونس سليمان
بقلم

ما الذي يقوله الأثر؟
نعثر على أثر قدمٍ في طريقٍ خالٍ، فنعرف أن أحدًا مرّ من هنا. لا نعرف وجهه ولا اسمه، لكن الأثر يحمل إلينا خبر مروره.
ونرى يدًا ترفع حجرًا؛ نرى اليد والحجر والحركة، ولا نرى القدرة كما نراها. نعرفها بما ظهر من فعلها.
هكذا يعبر العقل من المشهود إلى الغائب: يرى الأثر فيسأل عمّن أحدثه، ويرى الفعل فيسأل عن فاعله. لكنه لا يجد في أثر القدم صورةَ صاحبه، ولا في الفعل كلَّ حقيقة فاعله.
حين يصبح الوجود سؤالًا
إذا كانت القدرة تُعرف بآثارها، فكيف ننظر إلى هذا الوجود الذي ظهرت فيه الحياة، ونشأ فيه إنسانٌ قادر على أن يسأل عن أصله؟
أورد ابن عربي في الفتوحات المكية قول أبي العتاهية: «وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحد». لكنه نبّه، وهو يتحدث عن الذات الإلهية، إلى أنها «لا تشبه شيئًا من العالم ولا يشبهها شيء».
بين العبارتين مسافة ينبغي ألا نطويها: قد يدلّنا الشيء على الله، من غير أن يكون اللهَ، أو أن يمنحنا صورةً عن ذاته. نرى آثار القدرة، ولا نزعم أننا أحطنا بالقادر.
الرسول والمُرسِل
ثم تأتي الرسالة لتفتح بابًا آخر للمعرفة. فالرسول يدلّ على المُرسِل، ويحمل ما أُرسل به؛ لكنه ليس المُرسِل.
ننظر في صدقه وصحة رسالته، ثم نصغي إلى ما جاء به. ومن خلال الرسالة نعرف ما شاء الله أن يعرّفنا به، لا لأننا استخرجنا ذاتَه من صورة الرسول أو من آثار العالم.
لذلك لا ينتهي بنا التأمل في الوجود إلى إلغاء السؤال، ولا تنتهي بنا الرسالة إلى ادّعاء الإحاطة. لكلٍّ منهما ما يدلّ عليه، وللعقل أمانته في أن يميّز بين الدليل وما يدلّ عليه.
الأثر يدلّ على صاحبه، لكنه لا يرسم وجهه؛ والرسول يدلّ على المُرسِل، لكنه ليس المُرسِل.
ربما لهذا يظلّ السؤال حيًّا حتى بعد أن نعرف أين نتجه: كيف يكون كلُّ ما حولنا سبيلًا إلى السؤال عن الله، ولا يكون شيءٌ مما حولنا هو ذاته؟
اقرأ أيضًا
من التراب… وفي أجسادنا ذاكرة النجوم
تبدأ حكاية أجسادنا قبل الأرض: بعض عناصرها وُلد في النجوم، وبعضها يعود إلى بدايات الكون. لكن كيف صار لهذه المادة وعيٌ يسأل عن نفسه؟ تأمل في العلم والروح، وفي الأثر الإنساني الذي نتركه بين المجيء والرحيل.
العظيم لا يحتاج إلى نبوءة
سعى بعض القرّاء إلى العثور على أنبيائهم ورموزهم في نصوص أمم وثقافات أخرى. لكن وراء البحث عن النبوءة سؤال أكثر عمقًا: لماذا نحتاج إلى أن نجد ما نؤمن به في ذاكرة الآخر؟ تأملٌ في الإيمان والرغبة في اليقين وأمانة القراءة، ينتهي باكتشاف قد يكون أهم من العثور على الاسم الذي بحثنا عنه.
لماذا يحب الدماغ اليقين؟
لا يتعامل الإنسان مع أفكاره بوصفها معلومات مجردة دائمًا؛ فبعضها يرتبط بالهوية والانتماء والذاكرة والإيمان والصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. لذلك قد يصبح اليقين مصدرًا للطمأنينة بقدر ما يكون موقفًا معرفيًا. فمتى يساعدنا اليقين على العيش، ومتى يمنعنا من رؤية ما يخالفه؟ وهل الشك نقيض الإيمان والحقيقة، أم قد يكون أحيانًا طريقًا لتنقيتهما؟



