إنسانيات2 دقائق قراءة

حين يصبح الخبز أعلى صوتًا من الكلام

عن الجوع الذي يضيّق الوقت، والكرامة التي لا يكفيها الوعظ

حين ينشغل الإنسان بتأمين وجبة أطفاله، تضيق المساحة المتاحة للتعلّم والتخطيط والحلم. تأملٌ في الفقر بوصفه استنزافًا للوقت والاختيار، وفي الفرق بين الحديث عن الرحمة والعمل الذي يصون الكرامة.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

يد شخص بالغ تضع رغيف خبز أمام يد طفل على مائدة خشبية، وخلفهما دفتر وقلم في ضوء الغروب، مع شعار الصالح أسفل الصورة.
حين يصل الخبز إلى المائدة، يستعيد الطفل شيئًا من حقّه في أن يفكّر بالغد.

حين يضيق اليوم برغيف

يعود أبٌ إلى بيته وفي رأسه حسابٌ واحد: هل يكفي ما معه لعشاء أطفاله؟ قد تكون لديه آراء في التعليم ومستقبل بلده، وقد يرغب في تعلّم شيء جديد. لكن الجوع لا ينتظر انتهاء الحديث عن المستقبل؛ يطلب جوابًا قبل حلول الليل.

لهذا يصعب أن نطلب ممن قضى يومه باحثًا عن لقمة أن يصغي طويلًا إلى الخطب عن الفضيلة والازدهار. ليس لأنه أقل وعيًا، بل لأن للحاجة إلحاحًا يزاحم كل سؤال آخر.

ما الذي يأخذه الفقر غير المال؟

يأخذ وقتًا كان يمكن أن يُقضى مع الأبناء، أو في التعلّم، أو في عملٍ يفتح فرصة أفضل. ويأخذ من الطمأنينة ما يجعل التخطيط للعام المقبل رفاهًا حين يكون همّ الغد أقرب وأثقل.

وحين نتحدث عن الفقر بلغة الأرقام وحدها، قد نغفل ما يعيشه صاحبه: يومٌ يذهب في تدبير الضروري، ثم يبدأ يومٌ آخر من الموضع نفسه. أيُّ مساحة تبقى للأحلام إذا استهلكت الحاجة ساعات اليقظة كلها؟

ليس الفقر فراغَ الجيب وحده؛ قد يكون امتلاءَ اليوم بالبحث عمّا يبقي صاحبه واقفًا.

من الإطعام إلى الكرامة

إطعام الجائع ضرورة لا تحتمل التأجيل. لكنه يحتاج أيضًا إلى ما يتيح له ألّا يقف كل ليلة أمام السؤال نفسه: عملٌ يكفي، وتعليمٌ لا تقطعه الحاجة، وحقٌّ يصل إليه دون أن يُذلّه طلبه.

هناك فرق بين أن نُسكت الجوع ليلةً، وأن نساعد الإنسان على استعادة شيء من وقته وقدرته على الاختيار. وكلا الأمرين يبدأ بالإنصات إليه، لا بإلقاء درسٍ عليه.

لا تصبح المجتمعات أكثر إنسانية بكثرة ما تقوله عن الرحمة، بل بمقدار ما تمنع الحاجة من إذلال الإنسان. من السهل أن نحدّث الجائع عن الصبر. أما السؤال الذي يضع كلامنا على المحك فهو: ماذا نستطيع أن نفعل كي لا ينام طفله جائعًا الليلة؟ لأن بعض الكلمات لا تصل إلى القلب، قبل أن يصل الخبز إلى المائدة.

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

إنسانيات2 دقائق قراءة

حين أصبح للحب ذاكرة

من لوح طيني ارتبط بالملك شو-سين، تصلنا كلمات حب عمرها يقارب أربعة آلاف عام. كيف استطاعت الكتابة أن تمنح لحظةً عابرة ذاكرةً أطول من عمر أصحابها؟

إنسانيات1 دقائق قراءة

الحاضرون الغائبون

قد نجلس مع من نحب ونمنح انتباهنا لأشخاص بعيدين. تأمّل في الفرق بين الاتصال الدائم والحضور الإنساني.

إنسانيات2 دقائق قراءة

الغياب يمحو الوجوه لا الأثر

قد تغيب الملامح وتبهت التفاصيل، لكن الكلمة الصادقة والموقف النبيل واليد التي امتدت في وقتها تترك أثرًا لا يمحوه الغياب.