أدب3 دقائق قراءة

التصفيق فوق سفينة تغرق

حكاية عن الخوف حين يمسك بالدفة، والتصفيق حين يعلو على صوت الماء.

على سفينة أنهكتها الرحلات، يستولي رجال على غرفة القيادة ويَعِدون الركاب بالنجاة. لكن الماء يواصل صعوده، وتنشغل الأيدي بإقامة الحواجز والتصفيق. حكاية رمزية عن الإقصاء والعمى الجماعي، وعن مصيرٍ مشترك لا تحميه الأبواب المغلقة.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

سفينة خشبية متصدّعة تغمر المياه بدنها وسط بحر هائج، وركّاب يصفّقون على سطحها، بينما تقف طفلة عند السلّم وتظهر سفن بأشرعة داكنة في الأفق.
يعلو التصفيق على السطح، ويعلو الماء في جوف السفينة.

لم يحفظ الرواة اسم السفينة، ولا الميناء الذي غادرته. قال بعضهم إنها أبحرت في غابر الأزمان، وأقسم آخرون أنهم سمعوا جرسها ليلة أمس. وحده البحر لم يُدلِ بشهادته؛ كان مشغولًا بمحو الأسماء عن ألواح الحطام.

وكلما سأل أحدٌ متى حدثت الحكاية، فتح الراوي نافذته، وأصغى قليلًا، ثم قال: «أمهلني حتى ينتهي هذا التصفيق».

الراية والخرق

كانت السفينة قد أنهكتها الرحلات، وتشقّق بدنها، وصار الماء يتسلّل إلى غرفها. وحين استولى رجال مسلّحون على غرفة القيادة، وعدوا الركاب بالنجاة، وقالوا إن البحر سيهدأ ما إن تصبح السفينة لهم.

رفعوا رايتهم، وتركوا الخرق مفتوحًا.

كان أول ما فعلوه أن قسموا الركاب: هؤلاء أهل السفينة، وهؤلاء حمولة زائدة. صاروا يسألون الرجل عن صلاة جدّه قبل أن يسألوه إن كان يعرف كيف يصلح مضخّة، ويتفحّصون اسم المرأة قبل أن يسمحوا لها بالاقتراب من قارب النجاة.

وألقوا نجّارًا في البحر؛ لأن في حقيبته صورة لم تعجبهم. ثم وقفوا أمام اللوح المكسور يتساءلون عمّن يصلحه.

الطبل فوق الصرخات

على السطح، كان جمع كبير يصفّق. بعضهم صدّق الوعد، وبعضهم كره القبطان القديم حتى رأى في كل يدٍ تنتزع مقعده يدًا تقوده إلى البرّ. وآخرون صفّقوا كي لا يُسألوا عن سبب صمتهم.

كلما ارتفعت صرخة من الأسفل، زاد قارع الطبل ضرباته.

في الممرّات، انتشرت جماعات تحمل السلاح. لكل جماعة رايتها، ومفتاحها، وقائمتها بأسماء من لا تحبّ. كانت تقتحم الغرف، وتسحب ركابًا من أسرّتهم، وتترك وراءها أحذية صغيرة عند الأبواب، لا يجرؤ أحد على نقلها.

وحين سأل رجل غرفة القيادة عمّا يحدث، جاءه الجواب: «لا شأن لنا بما يجري في الممرّات».

لكن أصحاب المفاتيح كانوا يعبرون أمام الحرس، يحملون ما أخذوه من الغرف، ثم يعودون في الليلة التالية.

حواجز في وجه الجار

ومع الوقت، صار الركاب يحرسون غرفهم بدل أن يحرسوا السفينة. خلعوا ألواحًا من بدنها ليقيموا حواجز بينهم، وكسروا مجاديفها ليصنعوا هراوات. كل فريق أراد أن يحمي زاويته، حتى صار البحر يدخل من الجهات جميعًا.

قال بحّار عجوز: «الماء الذي يدخل غرفة جارك سيصل إلى فراش طفلك».

أخذوا منه دلوه، وأمروه أن يصمت.

بعيدًا، كانت سفن القراصنة تقترب. لم تحتج إلى إطلاق مدافعها؛ يكفيها أن تنتظر سفينة يقطع أهلها حبالها، ويطردون نجّاريها، ويفتّشون ثياب الغريق قبل أن يمدّوا له يدًا.

وفي غرفة القيادة، ظل الرجال يتجادلون حول لون الراية التي سيرفعونها عند الوصول. كانت البوصلة تحت أقدامهم، وقد تحطّم زجاجها.

سؤال الطفلة

ثم صعدت طفلة من الأسفل، وثيابها مبتلّة حتى الركبتين. وقفت أمام قارع الطبل وسألته:

حين يغرق المكان الذي تقف عليه… أين ستصفّق؟

للحظة، خفت الصوت. أمكن سماع الماء.

لكن أحدهم صاح: «لا تسمعوا لها!»

فعاد التصفيق.

كانت الطفلة تشير إلى السلّم الذي صعدت منه. غابت درجته الأخيرة، ثم التي فوقها. تراجع الواقفون قليلًا، وواصل قارع الطبل ضرباته.

وعندما مال السطح، تشبّث الرجل الذي أسكت البحّار بذراع البحّار.

كان يبحث عن الدلو.

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكر4 دقائق قراءة

لماذا يحب الدماغ اليقين؟

لا يتعامل الإنسان مع أفكاره بوصفها معلومات مجردة دائمًا؛ فبعضها يرتبط بالهوية والانتماء والذاكرة والإيمان والصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. لذلك قد يصبح اليقين مصدرًا للطمأنينة بقدر ما يكون موقفًا معرفيًا. فمتى يساعدنا اليقين على العيش، ومتى يمنعنا من رؤية ما يخالفه؟ وهل الشك نقيض الإيمان والحقيقة، أم قد يكون أحيانًا طريقًا لتنقيتهما؟

إنسانيات2 دقائق قراءة

الإنسانية وطنٌ أوسع

قبل أن نكون عربًا أو عجمًا، من الشمال أو الجنوب، نحن بشرٌ يجمعنا الوجع والفرح والحاجة إلى الرحمة. الإنسانية ليست شعارًا نرفعه، بل أوسع وطن يمكن أن ننتمي إليه من دون أن نفقد خصوصيتنا أو اختلافنا.