فكر3 دقائق قراءة

من التراب… وفي أجسادنا ذاكرة النجوم

من حكاية عناصر الجسد إلى سؤال الوعي والروح

تبدأ حكاية أجسادنا قبل الأرض: بعض عناصرها وُلد في النجوم، وبعضها يعود إلى بدايات الكون. لكن كيف صار لهذه المادة وعيٌ يسأل عن نفسه؟ تأمل في العلم والروح، وفي الأثر الإنساني الذي نتركه بين المجيء والرحيل.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

من التراب… وفي أجسادنا ذاكرة النجوم
من تراب الأرض إلى تاريخ النجوم… وفي الإنسان سؤال يتجاوز حكاية المادة.

«من التراب جئنا، وإلى التراب نعود». نقولها كأننا نعرف بداية الحكاية ونهايتها. لكن ماذا لو سألنا التراب نفسه: من أين جئت؟ عندئذٍ يطول الطريق فجأة.

قبل أن توجد الأرض

في أجسادنا هيدروجين تعود قصته إلى البدايات الأولى للكون، وكربون وأكسجين تشكّلا في نجوم سبقت الأرض. وحتى الحديد الذي يساعد دماءنا على حمل الأكسجين، يحمل أثر أحداث نجمية بعيدة. قبل أن تكون لنا أقدام تمشي على التراب، كانت المادة التي ستصير جزءًا منا تعبر تاريخًا لا يُقاس بعمر إنسان.

لكن أغرب ما في الحكاية ليس قِدم هذه العناصر.

الأغرب أنها اجتمعت، بعد رحلتها الطويلة، في كائن يستطيع أن يسأل عن رحلتها.

العين التي تنظر إلى النجم مكوّنة من مادة لها تاريخ كوني.

والإنسان الذي يرفع رأسه ويسأل «من أين جئت؟» هو نفسه جزء من العالم الذي يسأل عنه. كأن النظر إلى السماء ليس خروجًا من الأرض، بل لحظةٌ يلتقي فيها ما نراه بشيءٍ من تاريخنا.

حين تسأل المادة عن نفسها

وهنا يتغير السؤال. لم نعد نسأل فقط: ممّ صُنع الجسد؟ بل: كيف تكون لهذا الجسد حياة تُعاش من الداخل؟ نعرف أن الذاكرة والعاطفة والإدراك ترتبط بعمل الدماغ. لكن وصف ما يحدث فيه لا يشبه دائمًا ما نشعر به: يمكن أن ندرس أثر الذكرى، ولا نعيش حنين صاحبها؛ وأن نرصد الألم، ولا نحسّه كما يحسّه المتألم. وبين ما نستطيع ملاحظته من الخارج وما يعيشه الإنسان في داخله، يظل سؤال الوعي مفتوحًا.

الروح وحدود ما نعرف

وعند هذا السؤال تحضر الروح في أفق الإيمان. ليست اسمًا نطلقه على كل ما لم نفهمه بعد، ولا عنصرًا نبحث عنه بين عناصر الجسد. إنها تذكير بأن معرفة مكوّنات الإنسان لا تعني أننا أحطنا بسرّ وجوده.

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].

لا تطلب منا الآية أن نتوقف عن البحث، لكنها تترك في بحثنا مكانًا للتواضع. فما نعرفه عن المادة كثير ومدهش، وما نعرفه عن أنفسنا ما زال يدعونا إلى السؤال.

ماذا نفعل بهذه الحياة؟

ثم يطلّ سؤال آخر، أقرب إلى حياتنا اليومية: إذا كانت المادة التي بُنيت منها أجسادنا لا تحمل ألقابًا، فلماذا جعلنا من ألقابنا حدودًا بين البشر؟ الحديد في الدم لا يعرف ثروة صاحبه. والكربون لا يعرف لغة الجسد الذي يسكنه. نحن من أعطى لهذه الفوارق قوتها، ونحن من يستطيع ألا يجعلها سببًا للظلم أو الاحتقار. في أجسادنا مادة لها تاريخ أقدم من الأرض، وفي داخل كل واحد منا حياة لا يراها الآخر كاملة: ذاكرة، وخوف، ورجاء، وأسئلة قد لا يقولها بصوت عالٍ. لعل إدراك الأمرين معًا يجعلنا أقل تكبّرًا، وأكثر رفقًا بمن يشاركنا هذه الرحلة.

سيعود الجسد يومًا إلى دورة المادة التي جاء منها. أما الآن، وبين مجيء لا نتذكره ورحيل لا نعرف موعده، فلدينا فرصة قصيرة للإجابة عن سؤال لا تكفي أعمار النجوم لحسمه:

ماذا صنعنا بما مُنح لنا؟

لا نحتاج أن نضيف عنصرًا جديدًا إلى الكون. يكفينا أن نضيف إلى حياة إنسان آخر شيئًا من عدل، أو رحمة، أو محبة.

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكر2 دقائق قراءة

حين رسم الإنسان ما لا يُرى

لم يرسم الإنسان قلبه كما يبدو في جسده، بل ابتكر صورةً يستطيع أن يودعها ما لا يُرى. من رموز القدماء إلى رسائلنا الرقمية، تتغير وسيلة التعبير ويبقى السؤال: ماذا وضعنا داخل هذا القلب الصغير؟

فكر2 دقائق قراءة

يونس السوري… العبد الذي صار ملكًا في صقلية

في القرن الثاني قبل الميلاد، قاد إيونوس، وهو رجل من أفاميا السورية، واحدةً من كبرى انتفاضات المستعبَدين في صقلية الرومانية. تجاوزت الثورة هروب العبيد من سادتهم؛ فقد سيطر المتمرّدون على مدن، واختاروا قائدًا سمّى نفسه أنطيوخوس. لكن كيف نقرأ حكايتهم حين وصلتنا أساسًا بأقلام خصومهم؟