حين رسم الإنسان ما لا يُرى
كيف صار شكل القلب لغةً للحب، ثم اتسع لما هو أبعد منه؟
لم يرسم الإنسان قلبه كما يبدو في جسده، بل ابتكر صورةً يستطيع أن يودعها ما لا يُرى. من رموز القدماء إلى رسائلنا الرقمية، تتغير وسيلة التعبير ويبقى السؤال: ماذا وضعنا داخل هذا القلب الصغير؟

صالح يونس سليمان
بقلم

نرسل ❤ إلى من نحب، فنظن أننا قلنا شيئًا واضحًا. لكن الرسم لا يشبه القلب الذي ينبض في صدورنا. فمن أين أتى، وكيف صار شكلٌ من خطّين ولونٍ لغةً يفهمها الناس؟
شكلٌ أقدم من رسائلنا
عرفت حضارات قديمة صورًا للقلب ومعاني تتجاوز وظيفة العضو. في مصر القديمة، ارتبط القلب بالفكر والفعل ومصير الإنسان، وصُنعت له تمائم. وظهرت على نقود قورينا صورة نبات السِّلفيوم التي يربطها بعضهم بشكل القلب المألوف. لكن التشابه لا يثبت أن هذا النبات هو أصل رمز الحب؛ فليس لدينا طريقٌ واحد موثّق سار فيه الرسم من أثرٍ قديم إلى رسائلنا اليوم.
حين أصبح الشكل كلمة
في أوروبا الوسيطة، دخل القلب المرسوم حكايات المحبين وهداياهم، وصار تقديمه صورةً للوفاء. ثم بلغ من وضوح معناه أن نقشًا إيطاليًا من عصر النهضة وضع رسم القلب داخل عبارة بدل كتابة الكلمة. رأى الناس الصورة وقرؤوا ما تعنيه.
لم يكن القلب المرسوم ينبض؛ نحن الذين وضعنا نبضنا فيه.
القلب الذي لا يُرسم
لكن القلب لا ينتهي عند صورة العاشق. في لغة التصوف، هو موضعُ تحوّلٍ ومعرفة. وحين يقول ابن عربي: «لقد صار قلبي قابلًا كل صورة»، فهو يفتح سؤالًا يتجاوز الرسم: ما الذي يستطيع قلب الإنسان أن يتسع له؟ ليست هذه العبارة تفسيرًا لأصل الرمز، بل نافذةٌ على المعنى الذي قد نحمله إليه.
ربما رسم الإنسان القلب لأنه احتاج أن يُري غيره شيئًا لا تراه العين. حمله على الورق، ثم في الحليّ والرسائل، وأخيرًا على الشاشة. وما زلنا نفعل ذلك كل يوم؛ نرسل شكلًا صغيرًا، ونأمل أن يصل معه ما في داخلنا. لكن أصعب سؤال يبقى بعد إطفاء الشاشة: هل يتّسع القلب الذي نحياه لما نضعه في القلب الذي نرسله؟
نُشرت البذرة الأولى لهذه المقالة على صفحة «الصالح» في 9 كانون الثاني 2023 بعنوان «رمز القلب ❤». أُعيدت كتابتها وتوسيع فكرتها للنشر على الموقع في 26 أيلول 2026.
اقرأ أيضًا
الحاضرون الغائبون
قد نجلس مع من نحب ونمنح انتباهنا لأشخاص بعيدين. تأمّل في الفرق بين الاتصال الدائم والحضور الإنساني.
يونس السوري… العبد الذي صار ملكًا في صقلية
في القرن الثاني قبل الميلاد، قاد إيونوس، وهو رجل من أفاميا السورية، واحدةً من كبرى انتفاضات المستعبَدين في صقلية الرومانية. تجاوزت الثورة هروب العبيد من سادتهم؛ فقد سيطر المتمرّدون على مدن، واختاروا قائدًا سمّى نفسه أنطيوخوس. لكن كيف نقرأ حكايتهم حين وصلتنا أساسًا بأقلام خصومهم؟
نساء الأمازون… حين تركت الأسطورة أثرًا في القبور
حكت الأساطير اليونانية عن مجتمع من المحاربات لا يشبه سواه. وبعد قرون، ظهرت في قبور شعوب السهوب نساء دُفنّ مع أسلحة. فماذا تثبت هذه القبور، وماذا تبقيه للأسطورة؟



