فكر2 دقائق قراءة

يونس السوري… العبد الذي صار ملكًا في صقلية

حين رفض المستعبَدون أن يبقى تاريخهم في حقول الآخرين

في القرن الثاني قبل الميلاد، قاد إيونوس، وهو رجل من أفاميا السورية، واحدةً من كبرى انتفاضات المستعبَدين في صقلية الرومانية. تجاوزت الثورة هروب العبيد من سادتهم؛ فقد سيطر المتمرّدون على مدن، واختاروا قائدًا سمّى نفسه أنطيوخوس. لكن كيف نقرأ حكايتهم حين وصلتنا أساسًا بأقلام خصومهم؟

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

تصوير تخيّلي لجماعة من المستعبَدين تنظر نحو مدينة على تلّ في صقلية، وبجانبها قيد مكسور وشعار الصالح.
من حقول صقلية إلى أسوار إِنّا: حين قرّر المستعبَدون أن يصنعوا مصيرهم.

لم يبدأ الأمر بتاجٍ ولا بعرش. في صقلية الرومانية، اتسعت المزارع وكثر من عملوا فيها قسرًا، فيما تراكمت الثروة لدى مالكي الأرض. وبين هؤلاء المستعبَدين كان إيونوس، رجلٌ من أفاميا السورية. وحين اندلعت الثورة في القرن الثاني قبل الميلاد، صار أحد قادتها، وانتقل اسمه من حياة العبودية إلى تاريخٍ لم تتوقع روما أن يكتبه المستعبَدون.

حين استعادوا حقَّ القرار

سيطر المتمرّدون على مدينة إِنّا، واختاروا إيونوس ملكًا باسم «أنطيوخوس». لم تكن انتفاضتهم لحظة غضب عابرة؛ فقد صمدت سنوات في مواجهة الجيوش الرومانية. لم يعد هؤلاء الناس يُذكرون بوصفهم قوة عملٍ في مزارع غيرهم، بل جماعةً تتخذ قرارها وتواجه روما.

لم يطلبوا مكانًا أفضل في الحقول؛ أرادوا أن يكون لهم مكانٌ في تقرير مصيرهم.

عبدٌ يختار اسم ملك

يبقى في القصة تناقض يستحق التفكير: لماذا اختار أناس ثاروا على الاستعباد أن يقيموا بينهم ملكًا؟ لا نملك جوابًا بسيطًا من أصواتهم هم. ربما كان لقب الملك لغةَ سلطةٍ يفهمها عالمهم، وطريقةً ليعلنوا أنهم قادرون على الحكم بعد أن عوملوا كأنهم غير قادرين حتى على امتلاك أنفسهم. هذا تفسير محتمل، لا شهادة تركها لنا المتمرّدون.

انتهت الثورة، وبقي اسم إيونوس في كتبٍ لم تُنصفه دائمًا. لا نحتاج إلى اختراع بطلٍ معصوم كي ندرك حجم ما حدث: أناس سُلبت منهم حريتهم رفضوا أن يكونوا مجرد أيدٍ تعمل في حقول الآخرين. وربما يبدأ إنصافهم بسؤالٍ يزعج التاريخ نفسه: أين رواية الذين لم يُسمح لهم يومًا أن يكتبوا؟

نُشرت البذرة الأولى لهذه المقالة على صفحة «الصالح» في 3 كانون الثاني 2023 بعنوان «يونس السوري رمز ثوري ضد العبودية». أُعيدت كتابتها وتدقيقها تاريخيًا للنشر على الموقع في 26 أيلول 2026.

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكر2 دقائق قراءة

حين رسم الإنسان ما لا يُرى

لم يرسم الإنسان قلبه كما يبدو في جسده، بل ابتكر صورةً يستطيع أن يودعها ما لا يُرى. من رموز القدماء إلى رسائلنا الرقمية، تتغير وسيلة التعبير ويبقى السؤال: ماذا وضعنا داخل هذا القلب الصغير؟

فكر2 دقائق قراءة

الأسبوع… الاختراع الذي نعيش داخله

نعامل الأسبوع كأنه جزء من الطبيعة، مع أن أيامه السبعة نتاج تاريخ طويل من التقاليد الدينية ومراقبة السماء وتنظيم الحياة. فكيف أصبح هذا الإيقاع ينظّمنا؟