إنسانيات2 دقائق قراءة

حين أصبح للحب ذاكرة

أنشودة سومرية حفظت على الطين صوتًا إنسانيًا عبر القرون

من لوح طيني ارتبط بالملك شو-سين، تصلنا كلمات حب عمرها يقارب أربعة آلاف عام. كيف استطاعت الكتابة أن تمنح لحظةً عابرة ذاكرةً أطول من عمر أصحابها؟

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

يد تقترب من لوح طيني يحمل نقوشًا مسمارية، تضيئه شعلة دافئة، ويظهر شعار الصالح في أسفل الصورة.
بقيت كلمات الحب على الطين بعدما غاب الصوت الذي أنشدها.

منذ ما يقارب أربعة آلاف عام، نُقشت كلمات حب على لوح من الطين.

اختفت اليد التي نقشتها، وبقيت الكلمات.

أنشودة عبرت الزمن

وصل إلينا من بلاد الرافدين نص سومري يُعرف بـ«أنشودة حب لشو-سين». تتحدث فيه امرأة بلسان القصيدة إلى محبوبها، ويصلنا معنى مطلعه هكذا:

حبيب قلبي، يا من أحب، إن سحرك حلوٌ كالعسل.

لا نعرف صاحبة هذا الصوت، ولا ينبغي أن نتخيل النص رسالةً خاصة بين عاشقين؛ فقد نشأ في عالم أدبي وديني يختلف عن عالمنا. لكننا، على بُعد آلاف السنين، نتوقف عند عبارة تبدو مألوفة: «حبيب قلبي».

تغيرت المدن واللغات والمعتقدات، وتغيرت الطريقة التي يفهم بها الناس الحب ويعبّرون عنه. ومع ذلك، استطاعت كلمات من ذلك العالم البعيد أن تبلغ قارئًا يعيش في عالم آخر.

حين منحت الكتابةُ اللحظةَ عمرًا آخر

أحب البشر قبل أن يعرفوا الكتابة، واشتاقوا قبل أن يجد الاشتياق طريقه إلى الطين. ثم صنعت الكتابة شيئًا مدهشًا: منحت بعض اللحظات قدرةً على تجاوز أعمار أصحابها.

لا نستطيع أن نعيد إلى الحياة الصوت الذي أنشد القصيدة، أو أن نعرف تمامًا ما شعر به سامعها الأول. لكن الكلمات بقيت، ومعها أثر تلك الرغبة الإنسانية القديمة في أن يقول أحدهم لآخر: أنت عزيز على قلبي.

اختفت اليد التي نقشت الكلمات، وبقيت الكلمات تمنحنا طريقًا إليها.

لهذا لا تخبرنا الآثار كيف بنى الناس مدنهم، وكيف حكموا وعاشوا فحسب. أحيانًا تترك لنا شيئًا أصغر وأقرب: عبارة مودة وسط تاريخ طويل من الملوك والحروب. قد يفصل بين إنسان وإنسان ما يقارب أربعة آلاف عام، ثم تقرّبهما جملة حب واحدة. حين ننظر إلى الماضي من بعيد، نرى حضارات وشعوبًا وملوكًا وتواريخ. وحين نقترب بما يكفي… نجد إنسانًا.

أنشودة حب لشو-سين نص سومري محفوظ على لوح طيني عُثر عليه في نيبور، ويعود اللوح الباقي إلى العصر البابلي القديم. والصياغة العربية الواردة هنا ترجمة لمعنى مطلع الأنشودة، وليست نقلًا حرفيًا عن السومرية.

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكر3 دقائق قراءة

من التراب… وفي أجسادنا ذاكرة النجوم

تبدأ حكاية أجسادنا قبل الأرض: بعض عناصرها وُلد في النجوم، وبعضها يعود إلى بدايات الكون. لكن كيف صار لهذه المادة وعيٌ يسأل عن نفسه؟ تأمل في العلم والروح، وفي الأثر الإنساني الذي نتركه بين المجيء والرحيل.

فكر2 دقائق قراءة

حين رسم الإنسان ما لا يُرى

لم يرسم الإنسان قلبه كما يبدو في جسده، بل ابتكر صورةً يستطيع أن يودعها ما لا يُرى. من رموز القدماء إلى رسائلنا الرقمية، تتغير وسيلة التعبير ويبقى السؤال: ماذا وضعنا داخل هذا القلب الصغير؟

إنسانيات1 دقائق قراءة

الحاضرون الغائبون

قد نجلس مع من نحب ونمنح انتباهنا لأشخاص بعيدين. تأمّل في الفرق بين الاتصال الدائم والحضور الإنساني.