أدب3 دقائق قراءة

ماذا لو نهض الفينيق… ووجد النار تنتظره؟

حكاية من زمنٍ لم ينتهِ

ماذا لو عاد طائر الفينيق من رماده ليكتشف أن النار لم تنطفئ؟ حكاية رمزية عن الذاكرة والخوف والحرية، وعن الفرق بين النجاة من الخراب والتحرر من أسبابه.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

طائر الفينيق يقف فوق أطلال برج حجري قديم، متأملًا مدينة تغطيها سحب الدخان عند الغروب، بينما ينمو غصن أخضر صغير بين الحجارة والرماد، في مشهد يرمز إلى الأمل وسط الخراب.
حين يعود الفينيق من رماده، ولا تزال النار مشتعلة… هل تكفي النجاة لصناعة بداية جديدة؟

حين عاد الطائر

تقول الأسطورة إن طائر الفينيق يولد من رماده كلما التهمته النار. لكن أحدًا لم يخبرنا ماذا يحدث إن عاد الطائر، ووجد أن النار لم تنطفئ! في أرض قديمة، حيث كان البحر يحفظ أسماء السفن التي ابتلعها، والجبال تخبئ أسرار الذين رحلوا، عاش طائر لم يكن يشبه سائر الطيور. كان يعرف كيف يموت، وكيف يعود. غير أنه لم يعرف يومًا كيف يمنع الحريق. وذات مساء، حين نهض من رماده للمرة التي فقد حسابها، وجد المدينة على حال غريب. كانت الأجراس تدق احتفالًا بفجر جديد، لكن النوافذ ظلت موصدة. وكانت الساحات تغص بالأغاني، بينما يتهامس الناس في بيوتهم خشية أن تسمع الجدران. أما الأبواب التي انتظر أصحابها طويلًا أن تُفتح، فقد تبدلت مفاتيحها، وبقيت العتبات كما هي. حلّق الفينيق فوق المدينة، فرأى أن الدخان غيّر اتجاهه، لكنه لم يغادر السماء.

مدينة تحفظ رمادها

وعند أطراف السوق، شاهد رجلًا يبيع آخر ما بقي من أثاث بيته، وطفلًا يسأل أمه لماذا أصبحت الأحلام أغلى من الخبز. وفي الأزقة الضيقة، كان الناس يتنازعون على لون الضوء الذي ينبغي أن يدخل من النوافذ، حتى نسي بعضهم أن يفتحها. ثم رأى أمرًا أشد غرابة. كان الذين نجوا من الحريق يجمعون الرماد في أوعية صغيرة، يحتفظ كل منهم بقبضة منه، ويقسم أنها وحدها تحمل سرّ الحقيقة. ومن بعيد، كانت الريح تذرو ما تبقى من المدينة. تساءل الطائر: كيف يمكن لأرضٍ أن تنجو من النار، ولا ينجو أهلها من الخوف؟ وكيف يصبح الرماد مقدسًا إلى الحد الذي ينسى معه الناس الأشجار التي احترقت؟ لم يجبه أحد. فقد كان الجميع ينتظرون معجزة، لكنهم اختلفوا حتى على شكل المعجزة التي ينتظرونها.

العودة التي لم تشبه النجاة

ومضت الأيام. كبر الأطفال وهم يسمعون حكايات عن حدائق لم يروها، وعن أنهار كانت تجري قبل أن تتعلم المياه طعم الرماد. وكان بعض المسافرين يعودون حاملين مفاتيح بيوت لم تعد موجودة، ويضعونها تحت وسائدهم، كأن الحديد يستطيع أن يحفظ الطريق إلى الماضي. أما الفينيق، فظل يراقب المدينة من أعلى برج تصدّعت حجارته. للمرة الأولى، لم يشعر بالفرح لأنه عاد إلى الحياة. لقد أدرك أن القدرة على العودة لا تعني النجاة، وأن الأرض التي تعتاد الحريق قد تنسى شكل الربيع.

القيامة الأخيرة

وفي ليلة ساكنة، اقترب من عشّه القديم. كانت الأغصان جافة، والريح تحمل رائحة النار من بعيد. كان يعرف ما تقوله الأسطورة: سيحترق، ثم يولد من جديد. لكنه هذه المرة طوى جناحيه، وأدار ظهره إلى اللهب. لم يكن يخشى الموت. كان يخشى أن يصبح الاحتراق عادة، وأن تتحول القيامة إلى وعدٍ يبرر إشعال النار كل مرة.

فليس أعظم ما في الحياة أن ننجو من الخراب مرارًا، وإنما أن نتعلم كيف لا نورّثه لمن يأتون بعدنا.

ومنذ تلك الليلة، تقول الحكاية إن الفينيق لم يعد يبحث عن رماد يولد منه. كان يبحث عن غصن أخضر، وعن نافذة مفتوحة، وعن أرض يستطيع أن يبني عليها عشًّا دون أن يسأل متى سيحترق. ولعل السؤال الذي أغفلته الأسطورة طوال آلاف السنين هو: ماذا لو كانت القيامة الحقيقية ألا نحتاج إلى قيامة أخرى؟

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

أدب1 دقائق قراءة

في الرمادِ فتيل

قصيدة عن وجع سوريا، تصون حقّ الضحايا وترفض أن يصبح دم الأبرياء ثمنًا للثأر.

فكر9 دقائق قراءة

حين تصبح الكثرة عذرًا للعقل

ليست الأغلبية دليلًا دائمًا على الحقيقة، ولا مخالفتها دليلًا على الصواب. لكن الإنسان قد يجد في اتفاق الجماعة راحة تعفيه من السؤال، وتخفف عنه الشعور بالمسؤولية. تتناول هذه المقالة أثر ضغط الجماعة في أحكامنا وسلوكنا، وكيف تتحول المسايرة أحيانًا إلى طاعة صامتة، ولماذا تبدأ حرية التفكير من القدرة على الاحتفاظ بالحكم الشخصي وسط الحشود.

إنسانيات1 دقائق قراءة

في مدح الوحدة لا التطابق

الوحدة التي تطلب من الناس أن يصيروا نسخةً واحدة ليست وحدة، بل محو. أمّا الوحدة الحقّة فهي أن نختلف ونبقى معًا.