فكر9 دقائق قراءة

الزيتونة… الشجرة التي رفضت العرش وحملت العالم

حين صار الزيت نورًا، والجذع حبًّا، والغصن وعدًا بالسلام

من مصابيح القدماء وآية النور إلى حكاية الزيتونة التي رفضت المُلك، وسرير أوديسيوس المتجذر في الأرض، وصولًا إلى أغصان السلام وذاكرة القطاف السوري؛ رحلة في تاريخ الإنسان كما ترويه شجرة حملت أحلامه وتناقضاته عبر القرون.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

شجرة زيتون عتيقة بجذع متشابك وأغصان محمّلة بالثمار، تطل على قرية متوسطية عند الغروب، وبجوار جذورها جرّة فخارية وثمار زيتون، مع شعار موقع الصالح أعلى الصورة.
الزيتونة… جذور تحفظ ذاكرة الأرض، وزيت أضاء ليالي الإنسان، وغصن حمل حلمه بالسلام.

لم تطلب الزيتونة من الإنسان أن يجعلها مقدسة، ولا أن يعلّق أغصانها على رايات السلام. كل ما فعلته أنها مدّت جذورها في الأرض، ورفعت أوراقها إلى الشمس، ومنحت ثمارها لمن عرف كيف ينتظر. لكن الإنسان رأى فيها أكثر من شجرة. عصر ثمارها فأضاء بزيتها عتمة الليالي، ثم اكتشف العلم بعد آلاف السنين أن أوراق النباتات الخضراء، ومنها الزيتون، تعيد إطلاق ضوء خافت لا تراه العين المجردة، لكنه يكشف للعلماء شيئًا من نشاطها الحيوي. وفي حكاية قديمة، رفضت الزيتونة أن تتخلى عن زيتها من أجل العرش. وفي ملحمة يونانية، صار جذعها سرًّا يحفظ هوية عاشق عاد بعد غياب طويل. ثم جاء زمن رفع فيه العالم غصني زيتون حول خريطته، إعلانًا عن حلم لم تتوقف حروبه عن نقضه. هكذا مضت الزيتونة عبر القرون، تمنح الإنسان ثمارها، بينما كان يمنحها معانيه وأحلامه وتناقضاته. فكيف استطاعت شجرة واحدة أن تجمع في ذاكرته النور والحب والكرامة والسلام، بينما ظل هو يتعثر في الطريق إلى هذه القيم؟

حين تجاوز الضوء حدود المصباح

قبل أن تصبح الزيتونة رمزًا للنور في الوجدان الديني، كان زيتها يضيء بيوت البشر ومعابدهم. ففي المصابيح الفخارية القديمة، كانت شعلة صغيرة تستمد حياتها من زيت الثمرة، فتدفع شيئًا من العتمة عن ليل الإنسان. لكن الضوء لم يبقَ حبيس المصباح. في سفر زكريا تظهر منارة ذهبية تحفّ بها شجرتا زيتون، وفي القرآن الكريم ترد الزيتونة في آية النور: «يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ». اختلفت السياقات الدينية، لكن الزيت والنور التقيا في صورٍ تجاوزت الإضاءة المادية إلى معاني الهداية والبركة. والمثير أن العلم الحديث أتاح للإنسان رؤية وجه آخر لهذه العلاقة؛ فالنباتات الخضراء، ومنها الزيتون، تعيد إصدار جزء ضئيل من الطاقة الضوئية التي تمتصها أوراقها، في ظاهرة تُعرف بتفلور الكلوروفيل، ويمكن رصدها بأجهزة حساسة، بل والاستفادة منها في مراقبة النشاط النباتي من الفضاء. ليس في ذلك إثبات علمي لمعنى ديني، ولا ضوء خارق تنفرد به الزيتونة؛ وإنما مفارقة تستحق التأمل: الشجرة التي أضاء زيتها ليل الإنسان، تحمل أوراقها أيضًا إشارات ضوئية لم يستطع اكتشافها إلا بعد قرون طويلة من البحث. وبين شعلة المصباح وإشارات الورقة، تمتد رحلة الإنسان من الانتفاع بالطبيعة إلى محاولة فهم أسرارها، ومن رؤية الضوء إلى التساؤل عما يمنح الحياة معناها.

«أضاءت الزيتونة طريق الإنسان بزيتها، ثم دفعته إلى اكتشاف ضوءٍ لم تكن عيناه قادرتين على رؤيته.»

حين رفضت الزيتونة أن تنحني للتاج

في حكاية سياسية بليغة حفظها سفر القضاة، خرجت الأشجار تبحث عمّن يحكمها، فتوجهت أولًا إلى الزيتونة، وعرضت عليها المُلك. لكن الزيتونة أجابت بسؤال يحمل من الحكمة أكثر مما تحمله خطب الملوك: أتترك زيتها الذي يُكرَّم به الله والناس، لتذهب متمايلة فوق الأشجار؟ رفضت الزيتونة العرش، ثم رفضته التينة والكرمة، حتى انتهى الأمر إلى العوسج، الذي قبل المُلك وهدّد بالنار من لا يخضع لظله. لم تكن الحكاية احتفاءً بشجرة على حساب أخرى، بل مثلًا سياسيًا جاء في سياق نقد السلطة والصراع عليها. ومع ذلك، فإنها تطرح سؤالًا لا يزال حاضرًا في حياة المجتمعات: لماذا ينشغل بعض الناس بحكم الآخرين أكثر من انشغالهم بما يستطيعون تقديمه لهم؟ في هذه الحكاية، لا تستمد الزيتونة قيمتها من تاجٍ تضعه على أغصانها، بل من زيتٍ تمنحه دون أن تطلب مقابله الطاعة. وهنا تكمن المفارقة: الأشجار المثمرة وجدت في عطائها ما يغنيها عن المُلك، بينما لم يجد العوسج ما يعرضه سوى سلطة يرافقها التهديد. ولعلّ التاريخ الإنساني، بما عرفه من حكّامٍ جعلوا السلطة غايةً لا وسيلة، يمنح هذا المثل القديم حياةً تتجدد مع كل عصر. فليست عظمة الإنسان في عدد الذين ينحنون أمامه، وإنما في مقدار الخير الذي يستطيع أن يتركه وراءه دون أن ينحني له أحد.

«حين يصبح العطاء مصدر القيمة، يفقد التاج بريقه؛ فالسلطة التي لا تخدم الإنسان ليست مجدًا، مهما ارتفعت فوق الرؤوس.»

ما عجزت البحار عن اقتلاعه

لم تكن الزيتونة حاضرة في ذاكرة الإنسان بوصفها شجرة نافعة أو مباركة فحسب؛ فقد وجدت طريقها أيضًا إلى واحدة من أعمق صور الحب والوفاء في الأدب القديم. في ملحمة «الأوديسة» لهوميروس، يعود أوديسيوس إلى وطنه بعد عشرين عامًا من الرحيل والحرب والتيه. لكن زوجته بنيلوب، التي انتظرته طويلًا، لا تكتفي بمظهره ولا بكلماته لتطمئن إلى هويته. فتأمر بنقل سريرهما خارج غرفة النوم، وهنا يفاجئها أوديسيوس باعتراض يكشف سرًّا لا يعرفه سواهما. لقد صنع السرير بيديه حول جذع زيتونة راسخة في الأرض، ثم بنى الغرفة من حولها. كان الجذع جزءًا من السرير نفسه، فلا يمكن نقله دون اقتلاع ما يقوم عليه. عندها تعرف بنيلوب أن الرجل الواقف أمامها هو زوجها العائد حقًا. يا لها من صورة أدبية مدهشة: لم تكن علامة التعارف خاتمًا أو سيفًا أو كنزًا، بل سريرًا يستمد ثباته من جذور شجرة! في هذا المشهد، تتجاوز الزيتونة حدود المكان لتصبح حارسةً لسرّ لا تستطيع السنوات محوه. فالغياب قد يغيّر الوجوه، والرحلات قد تبدّل أصحابها، لكن بعض الذكريات تظل متجذرة في المكان الذي وُلدت فيه. ولعلّ هوميروس، من خلال هذه الصورة، يذكّرنا بأن العودة إلى البيت ليست مجرد عبور المسافة إليه، بل استعادة الصلة بما جعل ذلك البيت وطنًا للقلب. فالأرض التي نحبها لا تسكن ذاكرتنا لأنها تحمل أسماءنا، بل لأنها تحفظ شيئًا من حكاياتنا، حتى حين نبتعد عنها.

«ليست الجذور ما يشدّ الأشجار إلى الأرض وحدها؛ فثمة ذكريات تشدّ الإنسان إلى بيته، مهما أبعدته البحار.»

حين صار السلام غصنًا بلا جذور

حين اختارت الأمم المتحدة غصني الزيتون ليحيطا بخريطة العالم في شعارها، لم تكن تحتفي بشجرة بعينها، بل تستعير رمزًا قديمًا لتعبّر عن حلم إنساني يتجاوز الحدود: عالم لا يحتاج فيه الإنسان إلى الخوف من أخيه الإنسان. غير أن المسافة بين الرمز والحقيقة ظلت أطول مما تخيّل أصحاب الأحلام. فالغصن الذي يحيط بخريطة العالم لا يستطيع أن يحمي شجرة من الاقتلاع، ولا بيتًا من الدمار، ولا طفلًا من ويلات الحرب. وما زالت الأرض التي تمنح الإنسان أسباب الحياة تشهد صراعات تحرمه أحيانًا من أبسط حقوقه في الأمن والانتماء. وهنا تتجلى واحدة من أشد مفارقات التاريخ الإنساني إيلامًا: لقد اتفق البشر على أن يكون الزيتون رمزًا للسلام، لكنهم لم يتفقوا دائمًا على أن يكون السلام حقًا للجميع. وليس السلام غياب المدافع وحده؛ فقد تصمت الحروب وتبقى المظالم، وتتوقف المعارك دون أن تتوقف أسباب الخوف والكراهية. فالسلام الذي يستحق اسمه لا يكتمل إلا حين تصان الكرامة، ويُحترم الاختلاف، ويأمن الإنسان على حياته وبيته ومستقبله. ولعلّ الزيتونة، التي لم تفرّق يومًا بين من يستظلون بأغصانها، تضع أمامنا سؤالًا يتجاوز السياسة إلى جوهر الأخلاق: كيف نرفع أغصان السلام عاليًا، بينما نسمح لجذور العداوة أن تمتد في حياتنا؟ فليس التحدي أن نجد للسلام رمزًا جميلًا، بل أن نجعل من العدل والرحمة والاعتراف بحق الآخر جذورًا حقيقية له.

«لا يكفي أن نرسم أغصان الزيتون حول خريطة العالم؛ علينا أن نمنح الإنسان مكانًا آمنًا داخلها.»

حين يقطف السوريون ما تبقّى من الذاكرة

في قرى سوريا، لا يُعلن الخريف عن قدومه بتساقط الأوراق وحده؛ فهناك أشجار تحتفظ بخضرتها، وتنتظر أيديًا تعرف موعد ثمارها. حين يبدأ موسم الزيتون، تستيقظ الحقول على أصوات العائلات، وتُفرش الأغطية تحت الأغصان، وتمتلئ السلال بثمارٍ نضجت على مهل. وفي المعاصر، تنساب خيوط الزيت الأولى، حاملةً رائحة الأرض وتعب الأيدي وفرحة الانتظار. لكن ما يُقطف في تلك الأيام ليس الزيتون وحده. هناك شجرة غرسها جدّ رحل منذ سنوات، وأخرى شهدت طفولة أبناء كبروا وتفرّقوا في البلاد. وهناك بساتين يعرف أصحابها أشجارها كما يعرفون وجوه أحبّتهم، لأن لكل جذع حكاية، ولكل موسم ذكرى لا تشبه سواها. وبعد ما عرفته سوريا من حرب ونزوح وفقد، لم تعد العودة إلى بعض الحقول أمرًا بديهيًا. فقد يشتاق الإنسان إلى أرضه كما يشتاق إلى وجه غائب، ويصبح موسم القطاف، حين تتاح العودة، لقاءً مع حياة كان يخشى أن يفقدها إلى الأبد. ومع ذلك، لا تختصر الزيتونة حكايتها في الحزن؛ فهي شجرة تستقبل المواسم المتعاقبة، وتمنح ثمارها لمن يرعاها، كأنها تذكّرنا بأن ما انقطع من الحياة يمكن أن يُستأنف، وأن ما نغرسه اليوم قد يمتد أثره إلى أجيال لم تولد بعد. لقد أضاء الإنسان بزيتها مصابيحه، وجعل من جذعها شاهدًا على الحب، واستعارها ليروي حكاية عن السلطة، ورفع غصنها شعارًا للسلام. أما هي، فما زالت تفعل ما فعلته منذ آلاف السنين: تمدّ جذورها في الأرض، وتمنح ثمارها لمن يرعاها، دون أن تسأل عن دينه أو لغته أو انتمائه. فكيف استطاع الإنسان أن يستخرج النور من ثمرة الزيتون، وعجز حتى اليوم عن أن يستخرج السلام من خلافاته؟

«حين يعود الإنسان إلى شجرة غرسها أجداده، لا يستعيد أرضًا فحسب؛ بل يجد أن شيئًا من حياته ظل ينتظره هناك.»

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

إنسانيات1 دقائق قراءة

في مدح الوحدة لا التطابق

الوحدة التي تطلب من الناس أن يصيروا نسخةً واحدة ليست وحدة، بل محو. أمّا الوحدة الحقّة فهي أن نختلف ونبقى معًا.

خواطر 8 دقائق قراءة

حين ظلمنا الحيوانات بأسماء رذائلنا

من الذئب الذي جعلناه رمزًا للغدر إلى الحمار الذي اتخذنا اسمه إهانة، اعتاد الإنسان أن يستعير أسماء الحيوانات لوصف رذائله. لكن هل تعكس هذه التشبيهات حقيقة الحيوان، أم تكشف تناقض الإنسان بين المبادئ التي يعلنها والأفعال التي يختارها؟ تأمل في اللغة والأخلاق والمسؤولية الإنسانية، وفي الظلم الذي قد نرتكبه حتى ونحن نبحث عن أسماء نطلقها على عيوبنا.

فكر2 دقائق قراءة

حين رسم الإنسان ما لا يُرى

لم يرسم الإنسان قلبه كما يبدو في جسده، بل ابتكر صورةً يستطيع أن يودعها ما لا يُرى. من رموز القدماء إلى رسائلنا الرقمية، تتغير وسيلة التعبير ويبقى السؤال: ماذا وضعنا داخل هذا القلب الصغير؟