فكر4 دقائق للقراءة

حين صار العددُ نغمًا…

من فيثاغورس إلى الإنسان الذي لا تختصره الأرقام

يحفظ الهاتف صوتَ الغائب، لكنه لا يعيد حضوره. من هذه المفارقة تبدأ رحلة إلى العدد عند الفيثاغوريين، وإلى الموسيقى التي تصل بين النِّسبة والجمال، وصولًا إلى سؤال الإنسان: ماذا تكشف عنّا الأرقام، وماذا يغيب حين نكتفي بها؟

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

قيثارة خشبية تنساب من أوتارها موجات ضوء ذهبية تحمل الأرقام 1 و2 و3، وبجوار النافذة كرسي خالٍ عليه شال، مع شعار الصالح أعلى اليسار.
بين النِّسبة التي تصف النغم، والذكرى التي يوقظها، تبدأ حكاية ما تكشفه الأعداد وما يتجاوزها.

يستطيع هاتفك أن يحتفظ بصوت أمّك في ملفّ رقمي، ثم يعيده إليك بعد غيابها. تُحصى بياناته، وتُقاس مدّته، ويُنسخ آلاف المرّات؛ ومع ذلك، قد تسمعه يومًا فلا تبكي، وتسمعه يومًا آخر فلا تستطيع إكماله. ما الذي تغيّر، إذا ظلّ التسجيل كما هو؟ من هذه المسافة بين ما يُحصى وما نعيشه، يمكن أن نقترب من سؤال قديم: ماذا يحمل العدد من سرّ العالم، وماذا يبقى وراء قدرته على الوصف؟

حين سمع الفلاسفةُ العدد

في البحث عن أصل الأشياء، اتجه طاليس إلى الماء. أمّا الفيثاغوريون، كما يروي أرسطو، فقد وجدوا في العدد والنِّسب الموسيقية ما قادهم إلى تصوّر الكون بوصفه انتظامًا وانسجامًا. كانت المسألة أبعد من عدّ الموجودات؛ لقد بحثوا في العدد عمّا يجعل الموجودات قابلة للفهم. ولعل الموسيقى كانت من أدهش المداخل إلى هذه الرؤية؛ فما تتلقّاه الأذن جمالًا، يستطيع العقل أن يتتبّع فيه نسبًا وعلاقات. وفي محاورة «فيليبوس»، يربط أفلاطون معرفة الموسيقى بإدراك الفواصل بين الأصوات الحادّة والغليظة، ومقاديرها وكيفية اجتماعها. فمعرفة الأصوات متفرّقة لا تمنحنا وحدها معرفة اللحن. هنا يتّسع السؤال: هل يكفي أن نعرف ممَّ صُنع الشيء، لنعرف ما صار إليه؟ نستطيع أن نحصي أوتار آلة، وأن نسمّي الخشب الذي صُنعت منه؛ لكننا لم نفسّر بعدُ كيف استطاعت أن توقظ ذكرى نائمة.

نعرف ممَّ صُنعت الآلة؛ ثم يبدأ اللحن، فنكتشف ما صُنع فينا.

ما بين الواحد والكثرة

ومن هذه الفكرة يمكن أن نفتح بابًا للتأمل الإنساني، دون أن ننسب تأملنا إلى القدماء. فالأصوات المختلفة تستطيع أن تجتمع في لحن، مع احتفاظ كلّ منها بموضعه وتميّزه. وكذلك البشر؛ قد يكون اختلافهم مادةً للتفاهم، حين يجدون علاقةً تحفظ لكلّ منهم حقّه في الحضور. لكننا كثيرًا ما نطلب الانسجام، ثم نمحو الأصوات التي كان يمكن أن تصنعه. نريد من الآخر أن يوافقنا قبل أن نحاوره، وأن يشبهنا قبل أن نطمئنّ إليه. فهل الوحدة أن يتكرّر الصوت، أم أن تجد الأصوات سبيلًا إلى الاجتماع؟

ما أسهل أن نجمع الناس في مكان واحد، وما أصعب أن نجعل لكلّ واحد منهم مكانًا.

حين أراد العددُ أن يُكمل السماء

غير أن الإعجاب بالنظام قد ينقلب إلى أسرٍ له. يروي أرسطو أن الفيثاغوريين، لتعظيمهم شأن العشرة وعدّها عددًا كاملًا، افترضوا وجود «أرضٍ مقابلة» لاستكمال عدد الأجرام في نظامهم الكوني إلى عشرة. هكذا يعرض أرسطو موقفهم وينتقد إخضاع المشاهدة لما يقتضيه التصوّر المسبق. وتلك مفارقة تستحق الوقوف: الفكرة التي تساعدنا على رؤية العالم، قد تجعلنا نضيف إليه ما تحتاجه هي. يحدث هذا حين تصبح سلامة الصورة في أذهاننا أهمّ من صدقها؛ فنستبعد شاهدًا لأنه يربك الحكاية، أو نتجاهل إنسانًا لأنه لا يناسب التصنيف.

قد تبلغ الفكرةُ من الإحكام حدًّا لا يعود فيه متّسعٌ للحقيقة.

الرقم الذي يعرفك… ولا يعرفك

واليوم، تدخل الأصوات والصور والكلمات إلى الحاسوب في صورٍ قابلة للترميز والمعالجة. صار في وسع الأرقام أن تحمل رسالة حبّ، وصورة غائب، وكتابًا كاملًا. لكن قدرتنا على حفظ الرسالة لا تضمن قدرتنا على فهم صاحبها. وفي حياتنا اليومية نُعرَف بأرقام كثيرة: رقم الموظف، ورصيد الحساب، ودرجة الامتحان، وعدد المتابعين. لكلّ منها وظيفة، ولكلّ منها حدود؛ فالدرجة تخبرنا عن أداءٍ في امتحان، والرصيد عن مالٍ في حساب، ولا يمنحنا أيٌّ منهما وحده سيرةَ إنسان. يبدأ الظلم حين نحمّل الرقم شهادةً لم يُؤهَّل لها؛ فنستخرج من قلّة المال قلّةَ الاستحقاق، ومن كثرة التصفيق رجحانَ الرأي.

حين يموت إنسان، يزداد عدد الموتى واحدًا. أمّا في البيت، فقد يتغيّر معنى المساء كلّه.

ما الذي يبقى خارج الحساب؟

في تأمّل الواحد والصفر، سألنا عمّا يبقى من الإنسان حين تتراجع إضافاته. وهنا نسأل عمّا يغيب من رؤيتنا حين نكتفي بإحصائه. لقد فتح التأمل الفيثاغوري بابًا واسعًا إلى نظام الأشياء. ويمكننا أن نواصل الرحلة، مستفيدين من قدرة العدد، ومنتبهين إلى حدود الأسئلة التي نوجّهها إليه. نحتاج إلى الحساب لنوزّع الخبز بعدل؛ ونحتاج إلى الرحمة لنسأل عمّن لم يصل إلى المائدة. ونعود إلى التسجيل الذي بدأنا به: البيانات محفوظة، والصوت قابلٌ للإعادة، وكلّ شيء في الملفّ حاضر. إلّا صاحبته.

لقد حفظنا ما يكفي لإعادة الصوت… وما زال لا يكفي لإعادة مساءٍ واحد.

المراجع

  • أرسطو، «ما بعد الطبيعة»، الكتاب الأول، الفصل الخامس، 985b–986a: تصوّر الفيثاغوريين للعدد والانسجام، وتعظيم العشرة وافتراض «الأرض المقابلة».
  • أفلاطون، «فيليبوس»، 17c–e: الفواصل الموسيقية والنِّسب والعلاقة بين الواحد والكثير.

مساحة للحوار

تُنشر التعليقات بعد المراجعة.

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكر4 دقائق للقراءة

حين تسقط الأصفار… يبقى الواحد

من التسعة التي تبلغ آخر الآحاد إلى الواحد الذي يفتح منزلة جديدة، تنطلق المقالة في تأمل العلاقة بين الأرقام وقيمة الإنسان. فماذا يحدث حين تتساقط أصفار المال والجاه والمنصب؟ وهل تتغير قيمة الإنسان، أم تتغير نظرة الآخرين إليه؟

فكر4 دقائق للقراءة

القلم... حين يكتب الأثر ولا يحيط بالسر

كيف يستطيع القلم أن يحفظ صوت إنسان غاب منذ آلاف السنين، بينما يعجز عن الإحاطة بكل ما عرفه؟ رحلة تأملية بين الدواة والمداد والصحيفة والكلمة، تستكشف العلاقة بين الأثر والمعنى، وحدود العقل أمام اتساع المعرفة والعلم الإلهي.

إنسانيات8 دقائق للقراءة

فيثاغورس… حين كان العدد سرًّا للكون

نعرف فيثاغورس من مثلثٍ حفظناه في المدرسة، لكن وراء ذلك الاسم حكاية أكثر غرابة وثراءً: فيلسوف أحاطت به الأساطير، وجماعة جعلت من العدد والموسيقى والروح والانضباط طريقًا لفهم العالم والإنسان. فمن كان فيثاغورس حقًا؟ وما الذي نعرفه عن أسراره وتعاليمه وتلاميذه؟ وأين تنتهي الحقيقة ويبدأ ما صنعته القرون من أسطورة؟