فكر4 دقائق للقراءة

حين تسقط الأصفار… يبقى الواحد

ما الذي يبقى من الإنسان حين تزول الألقاب والمناصب؟

من التسعة التي تبلغ آخر الآحاد إلى الواحد الذي يفتح منزلة جديدة، تنطلق المقالة في تأمل العلاقة بين الأرقام وقيمة الإنسان. فماذا يحدث حين تتساقط أصفار المال والجاه والمنصب؟ وهل تتغير قيمة الإنسان، أم تتغير نظرة الآخرين إليه؟

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

رجل يغادر مبنى فخمًا حاملًا حقيبته، بينما يقف حارس عند الباب وتبقى خلفه مظاهر السلطة والجاه، في مشهد يرمز إلى كرامة الإنسان بعد زوال المنصب.
حين تغادرنا المناصب وتخفت الألقاب، يبقى السؤال: هل كانت قيمتنا فيما نملك، أم فيما نحن عليه؟

وقف التسعة عند آخر الآحاد، ولم يكن يفصله عن العشرة إلا واحد. وحين جاء الواحد، لم يزد العدد فحسب؛ بل فتح له منزلة لم يكن قد بلغها. ولعل المدهش أن العشرة لم تحتفظ بصورة التسعة، بل ظهرت في هيئة جديدة: واحد يتقدّم، وصفر يتبعه. كأن نهاية منزلة كانت بداية أخرى، وكأن العبور لم يحتج إلا إلى خطوة واحدة.

حين يتغير موضع الصفر

ثم تبدأ رحلة الأصفار. واحد يتبعه صفر فيصبح عشرة، وصفر آخر فيصبح مئة، وثالث فيصبح ألفًا. وكلما امتدت الأصفار إلى يمينه اتسعت قيمته العددية، مع أن الواحد ظل واحدًا. غير أن الصفر ليس فراغًا عديم القيمة؛ فهو الذي يحفظ مواضع الأعداد، وبدونه يختل نظام كتابتها. وقد لا يمثل مقدارًا بمفرده، لكنه يغيّر مقدار العدد حين يأخذ مكانه المناسب.

«لم يتغير الواحد، ولم يتغير الصفر؛ الذي تغير هو الموضع».

ما يُضاف إلى الإنسان

وهنا تبدأ حكاية الإنسان. يولد المرء بلا لقب ولا منصب، ثم تمنحه الأيام مالًا، ويمنحه المجتمع مكانة، وتمنحه الشهرة اسمًا يتردد على الألسنة. تتكاثر الإضافات من حوله حتى يكاد الناس لا يرونه إلا من خلالها. وقد يكون أفقر الناس أغناهم رحمة، وقد يجلس صاحب السلطان على قمة هرم من الأصفار، فلا يجد في نفسه ما يوازيها من فضيلة.

«قد تتكاثر الإضافات حول الإنسان حتى يكاد الناس لا يرونه إلا من خلالها».

حين يغادر المنصب

كان الحارس يقف له احترامًا كلما دخل، وكان الهاتف لا يكف عن الرنين، وكانت الأبواب تُفتح قبل أن يمد يده إليها. ثم غادر منصبه. لم يتغير وجهه، ولا صوته، ولا الاسم الذي يحمله؛ لكن الأبواب التي عرفته طويلًا صارت تسأله: من أنت؟ ثم يتدخل الزمن في بقية ما ظنه ثابتًا. يتراجع المال، ويخفت التصفيق، وتنفضّ من حوله الوجوه التي كانت تزدحم عند بابه. تسقط الأصفار واحدًا بعد آخر. فماذا يبقى؟

«لم يتغير وجهه، ولا صوته، ولا الاسم الذي يحمله؛ لكن الأبواب التي عرفته طويلًا صارت تسأله: من أنت؟»

القيمة التي لا يمنحها المنصب

يبقى الإنسان، لا بما امتلك، بل بما صان من إنسانيته. فالصدق والرحمة والعدل ليست أصفارًا نضيفها إلى جوهره، وإنما قيم تكشف معدن نفسه، وتمنح أفعاله معناها. وللصفر حكاية أخرى؛ فإذا وُضع إلى يسار الواحد لم يزد قيمته العددية، وإذا انتقل إلى يمينه صار العدد عشرة. وكذلك المال والجاه؛ قد يتقدمان على ضمير الإنسان فيصبح أسيرًا لهما، وقد يجعلهما في خدمة مبادئه، فتتسع قدرته على الخير والعطاء. فليست المشكلة فيما نملك، بل فيما نسمح لما نملكه أن يصنعه بنا. وفي القرآن الكريم تفتح الحسنة بابًا آخر للتأمل في القيمة: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]. هنا لا تُقاس قيمة العمل بمال صاحبه أو مكانته، بل بما صدر عنه من خير. وليس في الآية حديث عن رمزية الواحد والصفر، وإنما تذكير بميزان للجزاء يختلف عن موازين المظاهر. والأشد غرابة أن بعض الناس يمضي عمره في جمع ما يستطيع الزمن انتزاعه، ويهمل ما كان عليه أن يرعاه في داخله. ليس المال مذمومًا، ولا المنصب عيبًا؛ فكلاهما قد يكون وسيلة للإصلاح وخدمة الآخرين. وإنما يبدأ الخلل حين يظن الإنسان أن ما أُضيف إليه هو الذي منحه حقه في الاحترام، وأن فقدانه يسلبه كرامته. ولعل امتحان المرء لا يكون يوم تتكاثر حوله الأصفار، بل يوم تتراجع، فيرى نفسه بعيدًا عن المرايا التي صنعها الآخرون له. فإن بقي عادلًا بعد زوال سلطته، كريمًا بعد ضيق رزقه، رحيمًا حين لا ينتظر من أحد جزاءً، فقد عرف أن قيمته لم تكن معلّقة بما يملك.

«ليس السؤال كم صفرًا استطعت أن تضيف إلى حياتك، بل من تكون حين لا يبقى منها شيء».

وحين يعود العدد من العشرة والمئة والألف إلى الواحد، تتراجع قيمته الحسابية؛ أما الإنسان فقد تكون تلك العودة أول مرة يرى فيها قدره الحقيقي. فالأصفار تخبرنا بما امتلكناه، أما الواحد فيسألنا عمّا كنّاه.

مساحة للحوار

تُنشر التعليقات بعد المراجعة.

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكردقيقتان للقراءة

ما الذي تخفيه الأسماء؟

هل تمنحنا الأسماء معرفة الأشياء أم مجرد مفاتيح إليها؟ رحلة فكرية بين أسطورة الاسم الخفي لرع، وبدايات التسمية في حضارات الشرق القديم، وتعليم آدم الأسماء، وصولًا إلى المفارقة الإنسانية بين ما نناديه وما نعرف حقيقته.

أدب3 دقائق للقراءة

التصفيق فوق سفينة تغرق

على سفينة أنهكتها الرحلات، يستولي رجال على غرفة القيادة ويَعِدون الركاب بالنجاة. لكن الماء يواصل صعوده، وتنشغل الأيدي بإقامة الحواجز والتصفيق. حكاية رمزية عن الإقصاء والعمى الجماعي، وعن مصيرٍ مشترك لا تحميه الأبواب المغلقة.

فكر15 دقيقة للقراءة

حين أصبح الصفر أعظم من الأعداد

كيف استطاع الصفر أن يغيّر تاريخ الرياضيات، وأن يفتح أمام العقل أسئلة تتجاوز الحساب؟ رحلة تبدأ من ألواح بابل ومخطوطات الهند، وتمر بالألف والنقطة، لتصل إلى تأمل فلسفي في الفيض والإشراق، وعلاقة الوحدة بالكثرة، والأصل بآثاره.