القلم... حين يكتب الأثر ولا يحيط بالسر
من صمت الحرف إلى حدود المعرفة
كيف يستطيع القلم أن يحفظ صوت إنسان غاب منذ آلاف السنين، بينما يعجز عن الإحاطة بكل ما عرفه؟ رحلة تأملية بين الدواة والمداد والصحيفة والكلمة، تستكشف العلاقة بين الأثر والمعنى، وحدود العقل أمام اتساع المعرفة والعلم الإلهي.

صالح يونس سليمان
بقلم

حين تحفظ الحروف صوت الغائب
أغرب ما في القلم أنه يستطيع أن يحفظ صوت إنسان رحل منذ آلاف السنين، لكنه يعجز عن الإجابة عن سؤال واحد نوجهه إلى صاحبه. تلك المفارقة التي تأملها أفلاطون حين شبّه الكتابة بصورة تبدو حية، لكنها تظل صامتة إذا سُئلت، تكشف أن الحروف قد تحفظ الكلام دون أن تستوعب المعنى، وأن بين ما يعرفه العقل وما يستطيع القلم إظهاره مسافة لا تلغيها كثرة السطور. ولعل من أعمق الإشارات إلى منزلة القلم أن أولى آيات الوحي قرنت التعليم به: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 4]، ثم جاء القسم القرآني: ﴿نٓ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1].
قد تحفظ الحروف الكلام، لكنها لا تستوعب جميع ما أراده صاحبه.
الدواة والقلم... من الباطن إلى الأثر
وقد اختلف المفسرون في معنى النون؛ فمنهم من عدّها من الحروف المقطعة، ومنهم من فسّرها بالدواة. ومن هذا القول الأخير تنفتح أمامنا صورة رمزية تستحق التأمل، دون أن نجعلها تفسيرًا قطعيًا للآية. فالدواة احتواء، والمداد صورة للمعرفة، والقلم إظهار، واللوح موضع الأثر. وليست العلاقة بين الدواة والقلم، في هذا التصوير، انفصالًا بين عالمين؛ فالدواة باطن القلم من جهة المدد، والقلم ظاهرها من جهة الأثر. وما نراه على اللوح ليس المداد في جميع إمكاناته، بل صورة محددة مما أمكن إظهاره. وهنا يطل سؤال أعمق: هل نعرف الأشياء بحقائقها المطلقة، أم بما يظهر لنا من آثارها؟
ما يظهر على الصحيفة أثرٌ للمعرفة، وليس جميع ما يمكن أن تكشفه المعرفة.
الحسيات معابر للعقليات
لقد كانت عصا موسى عصًا مألوفة، حتى ظهرت بها آية تجاوزت طبيعتها المعهودة. لم تكن العصا مصدر القدرة، وإنما موضعًا لظهور أثرها. وكذلك القلم؛ فهو لا يخلق العلم الذي يدل عليه، بل يترك علامة يستطيع العقل أن يعبر منها إلى المعنى. غير أن هذا التأمل الرمزي لا يصف كيفية الفعل الإلهي؛ فالمبدأ الأول منزه عن الحدود والمماثلة، ولا يحل علمه في دواة، ولا تستوعب حقيقته صحيفة. وما يناله العقل من المعرفة إنما يكون بقدر قابليته وما تهيأت له أسبابه، لا بقدر ما يتوهم أنه أحاط به من أسرار الوجود.
الحسيات معابر للعقليات، والعقليات معارج إلى المعرفة، لا إلى الإحاطة.
حين تنفد الأقلام ولا تنفد الكلمات
وهنا يبلغ القلم حدّه في واحدة من أوسع الصور القرآنية أفقًا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: 27]. كل أشجار الأرض أقلام، والبحر مداد تمدّه سبعة أبحر، ومع ذلك تنفد وسائل الكتابة ولا تنفد كلمات الله. وفي سورة الكهف يأتي المعنى بصورة أخرى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109]. وليس في ذلك تقليل من شأن العقل، بل تحرير له من وهم الإحاطة. فكل معرفة حقيقية توسّع أفق الإنسان، وكلما اتسع أفقه أدرك أن ما لم يعلمه أعظم مما علم. لقد منح القلم الإنسان قدرة عجيبة على حفظ المعرفة ونقلها عبر الأزمنة، لكنه لم يمنحه مفاتيح الغيب، ولا القدرة على استنفاد الحقيقة. ولعل أعظم ما يكتبه القلم ليس ما يزعم أنه أحاط به، بل ما يوقظ في العقل شوقًا إلى معرفة أوسع، وتواضعًا أمام ما لا يحيط به.
كلما اتسع أفق المعرفة، اتسع معه إدراك الإنسان لما لا يعلم.
مساحة للحوار
جارٍ تحميل التعليقات…
اقرأ أيضًا
لماذا يحب الدماغ اليقين؟
لا يتعامل الإنسان مع أفكاره بوصفها معلومات مجردة دائمًا؛ فبعضها يرتبط بالهوية والانتماء والذاكرة والإيمان والصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. لذلك قد يصبح اليقين مصدرًا للطمأنينة بقدر ما يكون موقفًا معرفيًا. فمتى يساعدنا اليقين على العيش، ومتى يمنعنا من رؤية ما يخالفه؟ وهل الشك نقيض الإيمان والحقيقة، أم قد يكون أحيانًا طريقًا لتنقيتهما؟
حين تصبح الكثرة عذرًا للعقل
ليست الأغلبية دليلًا دائمًا على الحقيقة، ولا مخالفتها دليلًا على الصواب. لكن الإنسان قد يجد في اتفاق الجماعة راحة تعفيه من السؤال، وتخفف عنه الشعور بالمسؤولية. تتناول هذه المقالة أثر ضغط الجماعة في أحكامنا وسلوكنا، وكيف تتحول المسايرة أحيانًا إلى طاعة صامتة، ولماذا تبدأ حرية التفكير من القدرة على الاحتفاظ بالحكم الشخصي وسط الحشود.
فيثاغورس… حين كان العدد سرًّا للكون
نعرف فيثاغورس من مثلثٍ حفظناه في المدرسة، لكن وراء ذلك الاسم حكاية أكثر غرابة وثراءً: فيلسوف أحاطت به الأساطير، وجماعة جعلت من العدد والموسيقى والروح والانضباط طريقًا لفهم العالم والإنسان. فمن كان فيثاغورس حقًا؟ وما الذي نعرفه عن أسراره وتعاليمه وتلاميذه؟ وأين تنتهي الحقيقة ويبدأ ما صنعته القرون من أسطورة؟



