فكر6 دقائق قراءة

حين يصبح الفساد فضيلة في أعين المستفيدين

كيف نبرر ما ندينه عند الآخرين، ولماذا تبدأ النزاهة حين تتعارض مع مصالحنا؟

ليس الفساد مجرد مخالفة يرتكبها مسؤول أو صاحب نفوذ؛ فقد يبدأ حين نغيّر أسماء الأفعال بحسب مصالحنا، فنرفض الواسطة عندما تظلمنا، ونبررها عندما تنفعنا. قراءة في ازدواجية المعايير، والفرق بين المساعدة المشروعة والمحاباة، وكيف تتحول الاستثناءات الفردية إلى ثقافة اجتماعية تهدد العدالة.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

مشهد رمزي لطابور من المواطنين ينتظرون أمام مؤسسة، بينما يدخل رجل من باب خاص عبر علاقاته الشخصية، في تصوير للمحاباة وازدواجية المعايير وتأثيرهما على العدالة.
حين تصبح العلاقات طريقًا لتجاوز الحقوق، لا يعود الفساد مجرد مخالفة فردية، بل يتحول إلى خلل في معنى العدالة.

ليس أخطر ما يهدد العدالة أن يوجد من يخالفها، بل أن نتعلم كيف نبرر مخالفتها حين تكون في مصلحتنا. ليس أخطر الفساد ذلك الذي يجري في الخفاء، بل ذلك الذي يدخل من الباب حين نعرف صاحبه، ونفسح له الطريق، ثم نمنحه اسمًا آخر كي لا نضطر إلى مواجهة أنفسنا. نرفض الواسطة حين تُغلق الباب في وجوهنا، ونسميها «مساعدة» حين تفتحه لنا. نغضب من المحاباة حين يسبقنا غير المستحق، ثم نبحث عمّن يعرف أحدًا حين يأتي دورنا في الطابور. نطالب بالقانون حين يحمينا، ونفاوضه حين يعطّل مصالحنا. والأغرب أننا قد نفعل ذلك دون أن نشعر بأننا نناقض أنفسنا.

حين تصبح اللغة وسيلة لتبرير الخطأ

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إنكار الخطأ كي يرتكبه؛ يكفي أحيانًا أن يجد له تفسيرًا يجعله أقل قبحًا في عينيه. حين يرتكب الآخرون المخالفة، نراها بوضوح. أما حين نرتكبها نحن، فإننا نستحضر الظروف والضرورات والنيات الحسنة، ونبحث عن استثناء صغير نُخرج به أنفسنا من القاعدة التي نطالب الجميع باحترامها. وهنا يبدأ الفساد في مكان أبعد من المكاتب والمؤسسات: يبدأ في اللغة التي نستخدمها لتبرير أفعالنا.

أين تنتهي المساعدة ويبدأ الفساد؟

لكن ليس كل طلب للمساعدة فسادًا، ولا كل استعانة بعلاقة شخصية اعتداءً على العدالة. أن تساعد إنسانًا في الوصول إلى معلومة، أو ترشده إلى جهة مختصة، أو تعينه على استرداد حق تعطّل بسبب الإهمال، فذلك قد يكون من أنبل صور التضامن الإنساني. أما أن تمنحه ما لا يستحق، أو تقدّمه على من هو أحق منه، أو تستخدم نفوذك لإعفائه من قاعدة تسري على الآخرين، فهنا تتغير طبيعة المساعدة.

الفارق ليس في وجود العلاقة الشخصية، بل في أثر استخدامها على حقوق الآخرين.

فالمساعدة الحقيقية تفتح بابًا كان ينبغي أن يكون مفتوحًا للجميع، أما الواسطة الفاسدة فتفتح بابًا لشخص على حساب آخر يُغلَق الباب في وجهه.

عدالة نطالب بها لأنفسنا ونستثني أنفسنا منها

نحن لا نرفض العدالة بالضرورة، بل نريدها أحيانًا عدالةً مرنة معنا، صارمةً مع سوانا. نطالب بالمساواة حين نكون خارج دائرة الامتياز، ثم نكتشف لأنفسنا أسبابًا استثنائية حين نصبح داخلها. ومع تكرار هذه الاستثناءات، لا يعود الفساد مجرد سلوك فردي؛ يتحول إلى عرف اجتماعي غير مكتوب. يصبح السؤال عند الحاجة إلى وظيفة: من تعرف؟ وعند إنجاز معاملة: هل لديك من يتوسط لك؟ وعند وقوع مخالفة: ألا يوجد من يستطيع حلّ الموضوع؟ وبمرور الوقت، يتعلم الإنسان أن الطريق الأقصر ليس دائمًا طريق الكفاءة أو الحق، بل طريق العلاقات والنفوذ. وهكذا يُعاقَب الملتزم بصبره، ويُكافأ المتجاوز بقدرته على الالتفاف، حتى يبدو احترام القواعد سذاجةً لا فضيلة. والأشد خطورة أن المجتمع قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها مستغربًا من وجود الفساد، بل من وجود شخص يرفض الاستفادة منه.

حين تدفع المؤسسات الناس إلى البحث عن الوساطة

غير أن إدانة الأفراد وحدهم لا تكفي لفهم الظاهرة. فحين تكون الإجراءات معقدة، والحقوق معطّلة، والفرص غير متكافئة، قد يجد الإنسان نفسه أمام نظام يدفعه إلى البحث عن الوساطة كي يحصل على ما يفترض أن يكون حقًا طبيعيًا له. وهنا ينبغي أن نفرّق بين من يستغل نفوذه لانتزاع امتياز، ومن يلجأ إلى المساعدة لأنه عجز عن الوصول إلى حقه بالطرق المعتادة. كلا الموقفين يكشف خللًا، لكن المسؤولية الأخلاقية والمؤسسية ليست واحدة. فالعدالة لا تتحقق بمجرد مطالبة الناس بالاستقامة، بينما تظل الأبواب الرسمية موصدة في وجوههم. إنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات تجعل الطريق المشروع ممكنًا وواضحًا ومتاحًا للجميع. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول فساد النظام إلى مبرر دائم لفساد السلوك؛ وإلا أصبح كل خلل حجة لإنتاج خلل جديد.

الفساد الصغير الذي يصنع ثقافة كبيرة

إننا كثيرًا ما نتحدث عن الفساد كما لو أنه يسكن في مكان بعيد عنا، في منصب كبير أو مؤسسة مغلقة أو يد تمتد إلى المال العام. لكن الفساد لا يبدأ دائمًا بمبلغ يُسرق، ولا بقرار يُباع. قد يبدأ بمقعد نأخذه دون وجه حق، أو فرصة نحجبها عن مستحقها، أو مخالفة نطلب التغاضي عنها لأن مرتكبها قريب منا. وتبدو هذه الأفعال صغيرة حين ننظر إلى كل واحدة منفردة، لكنها حين تتكرر تصنع ثقافة كاملة يصبح فيها الحق أقل أهمية من القدرة على الوصول إليه. ولا يعني ذلك أن جميع الناس فاسدون، أو أن كل من اضطر إلى الاستعانة بغيره شريك في الظلم. إنما يعني أن النزاهة لا تُقاس بما نعلنه من مواقف، بل بما نفعله حين تتعارض المصلحة مع المبدأ.

الاختبار الحقيقي للنزاهة

فمن السهل أن نرفض فسادًا لا يعود علينا بالنفع، وأن ندين امتيازًا لا نستطيع الحصول عليه. أما الامتحان الأصعب فيأتي حين تصبح المخالفة في متناول أيدينا، وحين لا يرانا أحد، وحين نستطيع أن نربح شيئًا دون أن ندفع ثمنًا ظاهرًا. عندها لا يكون السؤال: هل نعرف الصواب؟ بل: هل نحن مستعدون لتحمل كلفة الالتزام به؟ فالعدالة التي نطالب بها لأنفسنا وحدنا ليست عدالة، وإنما رغبة في أن تتغير مواقع الامتياز. والقانون الذي نحترمه حين يخدمنا، ونتجاوزه حين يعترض طريقنا، لا يصبح قاعدة مشتركة، بل أداة نستخدمها بحسب حاجتنا. وربما لا تبدأ مواجهة الفساد الكبرى من قدرتنا على فضح الفاسدين وحدهم، بل من شجاعتنا في الامتناع عن المشاركة حين تتاح لنا فرصة الاستفادة. ليس لأن رفضنا الفردي سيصلح العالم في لحظة، بل لأن العالم الذي نريد إصلاحه لا يمكن أن يقوم على استثناء دائم لأنفسنا.

فالفساد لا يعيش بقوة الفاسدين وحدهم، بل بقدرتنا المدهشة على اختراع فضيلة له عندما يخدمنا.

ولعل أصعب معركة مع الفساد تبدأ حين يكون في مصلحتنا… فنقول: لا.

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

إنسانيات2 دقائق قراءة

حين يصبح الخبز أعلى صوتًا من الكلام

حين ينشغل الإنسان بتأمين وجبة أطفاله، تضيق المساحة المتاحة للتعلّم والتخطيط والحلم. تأملٌ في الفقر بوصفه استنزافًا للوقت والاختيار، وفي الفرق بين الحديث عن الرحمة والعمل الذي يصون الكرامة.

إنسانيات4 دقائق قراءة

من أغمض عيني العدالة؟

نراها في المحاكم والكتب والأفلام: امرأة تحمل ميزانًا وسيفًا وتغطي عينيها عصابة. نظن أن صورتها وُلدت رمزًا للحياد، لكن تاريخها يخفي مفارقة مدهشة؛ فالعصابة ظهرت أولًا للسخرية من عدالة يمكن تضليلها، ثم انقلب معناها مع الزمن وأصبحت علامةً على المساواة أمام القانون. وبين المعنيين يبقى السؤال الأهم: هل تكون العدالة منصفة حين لا ترى الوجوه، أم حين ترى الجميع ولا تخضع لأحد؟