فكر4 دقائق للقراءة

الحبل الذي لم يسأل خيوطه عن أنسابها

من جسور الإنكا إلى عهود الجوار… كيف تعلّم الإنسان نسج الحبال ونسي أحيانًا نسج الوصال؟

من جسر الحبال الذي تجدده جماعات الأنديز إلى معنى العهد والجوار في التراث العربي، رحلة تتأمل كيف استطاع الإنسان أن يجمع الخيوط المختلفة في حبل متين، بينما لا يزال يتعثر أحيانًا في جمع البشر على العدل والثقة والكرامة دون إلغاء اختلافاتهم.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

وجوه بشرية من أعمار وثقافات مختلفة تتشابك مع حبال ملونة تمتد فوق وادٍ ونهر عند الغروب، في مشهد يرمز إلى التنوع الإنساني وقوة الوصال والتعايش، مع شعار الصالح الذهبي أعلى يسار الصورة.
قد تختلف الخيوط في ألوانها وأصولها، لكن متانة الحبل يصنعها حسن اجتماعها؛ وكذلك البشر، لا يحتاجون إلى التشابه بقدر حاجتهم إلى العدل والثقة والوصال.

قد ترى حبلًا غليظًا فتطمئن إلى قوته، ثم يفاجئك بانقطاعه عند أول امتحان. وقد تستخف بخيط رفيع، فإذا بجوهره يحتمل ما تعجز عنه حبال أكبر منه. فليست المتانة في كثرة الخيوط وحدها، ولا في تشابهها، بل في جودة أليافها وحسن انتظامها، وفي الطريقة التي تتوزع بها الأثقال بينها. والعجيب أن الإنسان أدرك هذه الحقيقة بيديه منذ آلاف السنين، لكنه لم يدركها دائمًا في علاقته بأخيه الإنسان.

حين يصبح الوصال جسرًا

في جبال الأنديز، في بيرو، ما زالت أربع جماعات محلية تجتمع كل عام لتجديد جسر «قِسواشاكا»، مستخدمة حبالًا تُجدل من الأعشاب وفق تقاليد موروثة عن حضارة الإنكا. تبدأ الحكاية بألياف نباتية صغيرة تُفتل وتُجمع في حبال أكبر، ثم تتضافر جهود الناس حتى يمتد الجسر فوق النهر. غير أن الأعجب ليس قدرة تلك الحبال على حمل العابرين، بل قدرة التعاون على جمع صانعيها. فالجسر الذي يصل بين ضفتين لا يقوم إلا لأن بين الناس جسورًا أخرى لا تراها العين.

قد نعبر النهر بحبل، لكننا لا نعبر المسافة بين قلبين إلا بالثقة.

حين صار الحبل عهدًا

وفي اللسان العربي، لم يكن الحبل دائمًا ما تمسكه اليد؛ فقد اتسع معناه ليشمل العهد والأمان والصلة. وكان «حبل الجوار» تعبيرًا عن عهد يمنح الحماية لمن ينزل في جوار قوم، ولو لم يكن من نسبهم. ولعل أجمل ما في هذه الدلالة أن الحبل لم يعد شيئًا يُربط به الإنسان، بل عهدًا يرتبط به الناس بعضهم ببعض. فقد يكون المرء قريبًا في النسب بعيدًا في الرحمة، وقد يكون غريبًا في الأصل قريبًا في المروءة. وما أكثر الروابط التي تحمل أسماء كبيرة، لكنها تنهار حين تُختبر بالعدل والوفاء!

أقسى الحبال ما يشدّ الإنسان إلى قيده، وأنبلها ما يشدّ الإنسان إلى وعده.

خيوط شتّى… وحبل واحد

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. في الآية الأولى، اختلاف الشعوب والقبائل مدخل إلى التعارف، لا ذريعة للتعالي. وفي الثانية، دعوة إلى الاعتصام بما يجمع، لا إلى التفرق فيما يمزق. ولا يعني الاجتماع على القيم أن يتخلى الإنسان عن خصوصيته، أو أن يصبح الناس نسخًا متشابهة؛ فوحدة المبادئ شيء، وإلغاء التنوع شيء آخر. والحبل نفسه يقدم لنا صورة تستحق التأمل: خيوطه لا تحتاج إلى أن تكون متطابقة حتى تتماسك، لكنها تحتاج إلى ما يجعل اجتماعها صالحًا لحمل الثقل. وكذلك المجتمعات؛ لا تكفيها كثرة الأفراد ولا وحدة الشعارات، ما لم تتماسك روابطها بالعدل والثقة وصون الكرامة.

ليس الخطر أن تختلف خيوط النسيج، بل أن يتحول بعضها إلى سكين تقطع بقيتها.

الوصال الذي لم نتقنه بعد

لقد تعلم الإنسان أن يجدل الألياف، وأن يشدّ بها السفن إلى المرافئ، وأن يمدّ منها الجسور فوق الأنهار. وتعلم أن يجعل من الخيوط الصغيرة، حين يحسن اختيارها ونسجها، ما يحتمل الأثقال. ومع ذلك، قد يعجز عن حفظ خيط مودة مع إنسان يختلف عنه في رأي أو معتقد. وما أعجب الإنسان! لقد تعلم أن يجدل خيوطًا مختلفة ليصنع منها حبلًا متينًا، ثم راح أحيانًا يشترط على البشر أن يتشابهوا كي يجتمعوا. نسي أن الوصال لا يقتضي إلغاء الاختلاف، بل يحتاج إلى ما هو أعمق من التشابه: صدق العهد، ورحابة القلب، وعدل المعاملة. فإذا كان الإنسان قد أتقن صناعة الحبال منذ آلاف السنين، فمتى يتقن صناعة الوصال دون أن يطلب من الآخرين أن يكونوا نسخًا منه؟

ما أكثر الحبال التي صنعناها كي لا تضيع الأشياء، وما أقل الروابط التي حفظناها كي لا يضيع الإنسان.

مساحة للحوار

تُنشر التعليقات بعد المراجعة.

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكردقيقتان للقراءة

ما الذي تخفيه الأسماء؟

هل تمنحنا الأسماء معرفة الأشياء أم مجرد مفاتيح إليها؟ رحلة فكرية بين أسطورة الاسم الخفي لرع، وبدايات التسمية في حضارات الشرق القديم، وتعليم آدم الأسماء، وصولًا إلى المفارقة الإنسانية بين ما نناديه وما نعرف حقيقته.

فكر3 دقائق للقراءة

الباب… حين صار للعبور معنى

بدأ الباب منفذًا في جدار، ثم أصبح رمزًا للحماية والعبور والمعرفة والخصوصية. من بابل وروما إلى التراث الإسلامي، تتبع هذه المقالة رحلة الباب من وظيفته المادية إلى دلالاته الحضارية والفلسفية والإنسانية.

فكر4 دقائق للقراءة

القلم... حين يكتب الأثر ولا يحيط بالسر

كيف يستطيع القلم أن يحفظ صوت إنسان غاب منذ آلاف السنين، بينما يعجز عن الإحاطة بكل ما عرفه؟ رحلة تأملية بين الدواة والمداد والصحيفة والكلمة، تستكشف العلاقة بين الأثر والمعنى، وحدود العقل أمام اتساع المعرفة والعلم الإلهي.