الباب… حين صار للعبور معنى
من بوابة عشتار إلى أبواب المعرفة… رحلة في المعنى الذي تجاوز الجدران.
بدأ الباب منفذًا في جدار، ثم أصبح رمزًا للحماية والعبور والمعرفة والخصوصية. من بابل وروما إلى التراث الإسلامي، تتبع هذه المقالة رحلة الباب من وظيفته المادية إلى دلالاته الحضارية والفلسفية والإنسانية.

صالح يونس سليمان
بقلم

منذ أن أقام الإنسان جدارًا يحتمي خلفه، واجه مفارقة عجيبة: كيف يحمي نفسه من العالم دون أن ينقطع عنه؟ ترك في الجدار منفذًا، ثم جعل له بابًا. وهكذا نشأ شيء يجمع بين وظيفتين تبدوان متناقضتين: أن يمنع العبور، وأن يسمح به. ثم صارت للغرف أبواب تحفظ خصوصيتها، وللبيوت أبواب تستقبل وتستر، وللمدن أبواب تحمي وتعلن عن هيبتها. لكن الباب لم يبقَ حارسًا للمكان.
حين تكلمت أبواب الحضارات
في بابل، ارتفعت بوابة عشتار شاهدًا على عظمة المدينة وحضارتها. وفي روما، ارتبط يانوس، إله الأبواب والبدايات، بالانتقال من زمن إلى آخر، حتى حمل شهر يناير اسمه. والمفارقة أن إغلاق أبواب مزار يانوس كان علامةً على السلام، بينما ارتبط فتحها بالحرب. وهكذا لم يعد الفتح خيرًا بالضرورة، ولا الإغلاق شرًا؛ فقد تتغير دلالتهما بحسب ما ينتظر الإنسان وراء الباب.
ليس كل باب مفتوح بشارة، ولا كل باب مغلق حرمانًا؛ فالمعنى أحيانًا فيما ينتظرنا خلفه.
من أبواب المدن إلى أبواب المعرفة
ثم غادر الباب جدران البيوت والمدن، ودخل عالم اللغة والفكر. أصبحت للكتب أبواب، وللعلوم مداخل، وللمعرفة طرق. ولم يعد العبور انتقالًا من مكان إلى آخر، بل رحلةً من السؤال إلى الفهم، ومن ظاهر الأشياء إلى حقائقها. وفي التراث الإسلامي تتجلى هذه الصورة في الحديث المشهور المروي عن النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، «أنا مدينة العلم وعلي بابها». فالعلم هنا مدينة، لا يبلغ المرء حقيقتها بمجرد الوقوف أمام أسوارها، والإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، بابها في هذه الصورة البليغة التي تقترن فيها منزلته بالعلم والحكمة والبصيرة. وهكذا يرتقي الباب من مدخلٍ إلى المكان إلى رمزٍ للطريق نحو المعرفة.
لم يعد الباب طريقًا إلى المكان وحده، بل صار طريقًا إلى المعنى.
الباب الذي لا يمنح حق الدخول
غير أن معرفة الطريق لا تعني امتلاك الحق في عبوره؛ فثمة أبواب لا يكفي أن نعرف مواضعها حتى يُباح لنا دخولها. يقول تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189]، في سياق تصحيح عادة قديمة ارتبطت بمفهوم البر. ثم يقرر القرآن حرمة البيوت بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النور: 27]. هنا يتجاوز الباب وظيفته المادية؛ فقد يكون مفتوحًا، ومع ذلك لا يمنح أحدًا حق الدخول. فالخصوصية ليست جدارًا يحمي الإنسان فحسب، بل حرمة ينبغي للآخرين احترامها.
قد يكون الباب مفتوحًا، لكن ذلك لا يمنح أحدًا حق الدخول.
حين تجاوز الباب حدود المكان
ثم تتسع الصورة إلى أبواب السماء والجنة والرحمة، حتى يغدو ما صنعته اليد لحماية المسكن لغةً يتأمل بها العقل ما وراء العالم المحسوس. لقد صنع الإنسان الباب ليعبر من مكان إلى آخر، ثم جعله رمزًا للعبور من الجهل إلى المعرفة، ومن العزلة إلى اللقاء، ومن المحسوس إلى المعنى. وربما كانت أعظم حكمة في الباب أنه لا يُلغي الجدار، بل يجعل العبور من خلاله ممكنًا. فليس كل باب مغلق عداوة، ولا كل باب مفتوح دعوة؛ إنما تبدأ إنسانيتنا حين نعرف متى نطرق، ومتى ندخل، ومتى نحترم حق الآخرين في إغلاق أبوابهم.
ربما كانت أعظم حكمة في الباب أنه لا يُلغي الجدار، بل يجعل العبور من خلاله ممكنًا.
مساحة للحوار
جارٍ تحميل التعليقات…
اقرأ أيضًا
ما الذي تخفيه الأسماء؟
هل تمنحنا الأسماء معرفة الأشياء أم مجرد مفاتيح إليها؟ رحلة فكرية بين أسطورة الاسم الخفي لرع، وبدايات التسمية في حضارات الشرق القديم، وتعليم آدم الأسماء، وصولًا إلى المفارقة الإنسانية بين ما نناديه وما نعرف حقيقته.
القلم... حين يكتب الأثر ولا يحيط بالسر
كيف يستطيع القلم أن يحفظ صوت إنسان غاب منذ آلاف السنين، بينما يعجز عن الإحاطة بكل ما عرفه؟ رحلة تأملية بين الدواة والمداد والصحيفة والكلمة، تستكشف العلاقة بين الأثر والمعنى، وحدود العقل أمام اتساع المعرفة والعلم الإلهي.
الباب الذي لم يكذب
حين نخطئ في تسمية الأشياء، قد نبحث عن الخروج في المكان الذي أغلقناه بأوهامنا.



