إنسانيات9 دقائق قراءة

وما تلك بيمينك يا موسى؟

رحلة العصا من غصن الراعي إلى مواجهة العرش، ومن امتداد اليد إلى آثار القدرة

تتتبع هذه المقالة رحلة العصا من غصن شجرة في يد راعٍ إلى رمز للرعاية والسلطة، وأداة تمتد بها حاسة الإنسان إلى الأرض، ثم إلى موضع ظهرت عنده آيات موسى: إبطال الزيف، وشق البحر، وانبجاس الماء. قراءة تاريخية وعلمية وفلسفية تسأل عن الأداة واليد ومصدر القدرة.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

رجل بملابس تاريخية يُرى من الخلف، يمسك عصًا خشبية بيده اليمنى فوق طريق صخري يطل على البحر والجبال عند شروق الشمس، مع شعار موقع الصالح في الزاوية العليا.
بين اليد والأرض تقف العصا؛ خشبة بسيطة في ظاهرها، لكنها تصبح في الحكاية شاهدًا على انتقال الإنسان من الاتكاء إلى التكليف، ومن المألوف إلى آفاق القدرة.

السؤال الذي يعرف جوابه

قبل أن تصير العصا حيّةً تسعى، وقبل أن ينفلق بها البحر، وقبل أن ينبجس الماء من الحجر، كانت غصنًا في يد راعٍ. يتكئ عليها إذا أعياه الطريق، ويهشّ بها على غنمه، وله فيها مآرب أخرى. كان يعرفها كما نعرف الأشياء التي ترافقنا طويلًا؛ فلا نعود نسأل عنها، ولا نرى فيها أكثر من وظيفتها. ثم جاء السؤال:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ سورة طه، الآية 17

لم يكن سؤال من يجهل الجواب، بل سؤالًا أخرج العصا من صمت العادة ووضعها تحت نور المعنى.

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ سورة طه، الآية 18

أجاب موسى بما يعرفه عنها: سندٌ في الطريق، وأداةٌ لرعاية الغنم، ورفيقةٌ لحاجات لم يسمّها. أما ما سيجري بها لاحقًا، فلم يكن من طبيعة الخشب ولا من صنعة اليد. وهنا تبدأ الحكاية.

حين صار الغصن امتدادًا لليد

لا يذكر النص القرآني مادة عصا موسى أو نوع خشبها، لكن صورتها المألوفة في حياة الرعاة تحيل إلى غصن مأخوذ من شجرة؛ غصن كان الماء يجري فيه خفيًا، وكانت أوراقه تستقبل الضوء، ثم انفصل عن أصله واستقر في يد الإنسان.

كان الغصن يستمد حركته من الريح، ثم صار يستمدها من اليد. وكان ثابتًا في جذع، ثم أصبح رفيقًا للسفر. احتفظ بذاكرة الثبات، واكتسب من الإنسان إمكان الحركة.

حين يمسك الإنسان العصا، لا يضيف إلى ذراعه طولًا فقط، بل يفتح بين جسده والأرض طريقًا للمعلومة. تضغط اليد على المقبض، فتنقل العصا حركتها إلى الطريق، ثم تعيد إلى اليد ما تلقته منه: الصلابة، والخشونة، والميل، والاهتزاز. وقبل أن تتقدم القدم، تكون العصا قد سبقتها إلى المجهول.

العصا سؤالٌ ميكانيكي توجهه اليد إلى الأرض، والاهتزاز هو الجواب.

وتشير أبحاث استعمال الأدوات إلى أن الدماغ قد يدمج الأداة مؤقتًا في تمثيله العملي للجسد، فيتعامل معها كما لو كانت امتدادًا للذراع. ولهذا يستطيع فاقد البصر أن يدرك بطرف عصاه ما لم تلمسه أصابعه، كأن إحساسه امتد من الكف إلى موضع التقاء العصا بالأرض.

ومن قدرتها على قراءة سطح الطريق، انتقلت العصا في المخيلة الشعبية إلى محاولة استنطاق ما تحته. فمنذ قرون حمل بعض الباحثين عن الآبار غصنًا متشعبًا على هيئة حرف Y، وأمسكوا بطرفيه منتظرين أن يميل فوق موضع الماء. واستُخدم غصن الرمان في بعض البيئات، بينما استُخدمت أغصان أخرى في مناطق مختلفة.

لم تثبت الاختبارات العلمية أن الغصن يستطيع كشف المياه الجوفية بصورة موثوقة، وتُفسَّر حركته غالبًا بحركات عضلية دقيقة وغير واعية يضخّمها توتر الغصن. وقد يلتقط الباحث الخبير إشارات من النبات والتربة والتضاريس من غير أن ينتبه إلى جميع ما قرأه، ثم ينسب النتيجة إلى العصا.

ومع ذلك، بقيت الصورة آسرة: إنسان يمشي فوق أرض صامتة، وفي يده غصن، منتظرًا أن يرتجف حين يقترب من الماء المستور. لعل العصا لم تكشف ما في باطن الأرض بقدر ما كشفت حاجة الإنسان إلى علامة تطمئنه قبل أن يحفر في المجهول.

من عصا الراعي إلى مواجهة العرش

في يد الشيخ تسند العصا جسدًا أتعبه الطريق، وفي يد فاقد البصر تستكشف، وفي يد المعتدي تضرب، وفي يد الراعي تحمي وتجمع الشارد. العصا واحدة، لكن الأيدي ليست واحدة.

الأدوات لا تكشف قدرتها وحدها؛ إنها تكشف أيضًا طبيعة اليد التي تحملها.

قبل أن تصبح العصا شارةً للسلطة، كانت في حياة الراعي أداةً للسير والرعاية؛ يهشّ بها أوراق الشجر لغنمه، ويردّ الشارد، ويبعد عنها الخطر. وفي صورتها المعقوفة اجتمع معنى القيادة بمعنى الحماية.

وفي مصر القديمة كان صولجان «واس» رمزًا للقوة والسيادة، كما ظهرت العصا المعقوفة ضمن شارات المُلك. لم تعد العصا تسند حاملها فحسب، بل بدأت تعلن مكانته أمام الآخرين. وهنا ظهر سؤال لم يفقد معناه: هل يحمل صاحب السلطة عصاه ليحمي مَن اؤتُمِنَ على رعايتهم، أم ليجعلهم ينحنون له؟

في قصة موسى تبلغ المفارقة ذروتها. يدخل راعٍ بعصاه على ملك تحيط به رموز السلطان. في الظاهر يقف غصن أمام عرش، وفرد أعزل أمام دولة؛ لكن المشهد يعيد تعريف القوة: ليست بما تكدّسه اليد من أدوات، بل بالحق الذي تتحرك لأجله والمصدر الذي تستمد منه أثرها.

﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ سورة الأعراف، الآية 107

لم يكن ما جرى منافسةً بين سحر أقوى وسحر أضعف؛ فالسحرة عرفوا صنعتهم، وكانوا أقدر الحاضرين على تمييز ما يقع داخل حدودها مما يتجاوزها. لذلك لم يكن سجودهم اعترافًا بالهزيمة أمام منافس، بل إقرارًا بأن ما رأوه لا ينتمي إلى الفن الذي يعرفونه.

هنا لم تعد العصا أداة رعاية أو رمز حكم؛ صارت موضعًا ظهر عنده الفرق بين الصنعة والآية، وبين ما تفعله اليد وما يجري بأمر القادر.

عصًا واحدة… وآثار لا تتشابه

بعد مواجهة السحرة ظهرت العصا في مشهدين متعاكسين: أمام البحر كان الخطر في وفرة الماء، وأمام الحجر كان الخطر في غيابه.

﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ سورة الشعراء، الآية 63

ضُرب البحر فانفلق، وظهر في جوفه طريق يابس. لم تأتِ النجاة من مكان بعيد عن الأزمة؛ بل ظهر الطريق داخل ما أغلق الطريق.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ سورة الأعراف، الآية 160

وضُرب الحجر فانبجست منه العيون. في البحر انحسر الماء ليعبر الإنسان، ومن الحجر اندفع الماء ليحيا. ظهر في الأول يبسٌ من قلب الماء، وظهر في الثاني ماءٌ من قلب الصلابة.

وعلى امتداد هذه المشاهد ظلت العصا واحدة، لكن آثارها لم تتشابه: صارت حيّةً أمام الزيف، وطريقًا أمام الحصار، وماءً أمام العطش.

لم تتعدد القدرة حين تعددت الآثار؛ الذي تعدد هو موضع الحاجة.

لو كانت القوة خاصيةً كامنة في خشب العصا، لظهر منها فعل تحكمه طبيعتها. لكن كل حركة سبقتها كلمة: ﴿أَلْقِهَا﴾، و﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾، و﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾. لم تكن العصا أصل الفعل، بل موضعًا ظهر عنده أثر الأمر.

غير أن العين تُفتن بما تراه، فتمنح الأداة ما ليس لها. وقد ننشغل باليد التي ظهر بها الأثر، وننسى المصدر الذي مكّنها منه؛ فنخلط بين الوسيلة والقوة، وبين صاحب الدور وصاحب الفضل.

من القبض إلى الإلقاء

لم تكن عظمة عصا موسى في خشبها، بل في أنها لم تدّعِ لنفسها شيئًا. لكن أدق ما في الحكاية قد لا يكون ما فعلته العصا، بل ما حدث لليد التي حملتها.

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ سورة طه، من الآية 18

بعد أن قال موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾، جاءه أول أمر متعلق بها:

﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ﴾ سورة طه، الآية 19

قبل أن تكشف العصا وجهًا لم يعرفه الناس، كان على اليد أن تنفتح وتترك ما اعتادت الإمساك به. ثم، بعدما صارت حيّةً تسعى، جاء الأمر من جديد:

﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾ سورة طه، الآية 21

عادت العصا كما كانت، لكن معناها في عين القارئ لم يعد كما كان. في بداية المشهد كانت شيئًا يحمله موسى ويعرف مآربه منه؛ وبعد الإلقاء والأخذ، انكشف في بناء القصة أن امتلاك الشيء لا يعني الإحاطة بكل ما يمكن أن يظهر عنده، وأن الألفة لا تستنفد الحقيقة، وأن ما تستند إليه اليد قد يصبح شاهدًا على قوة ليست له.

لم ينشق البحر لأن الخشب أقوى من الماء، ولم ينبجس الحجر لأن العصا أصلب منه، ولم يسقط الزيف لأن الغصن يحمل سحرًا أعظم. بقي الخشب خشبًا، وبقيت العصا أداة؛ أما ما ظهر بها فكان أثرًا من آثار القادر.

كان السر في أن اليد ألقتها حين جاء الأمر، وأمسكتها حين جاء الأمر، ولم تخلط بين ما وُضع فيها وبين مَن أودع فيها القدرة على الفعل. لذلك لا تنتهي الحكاية بسؤال عن العصا وحدها، بل بسؤال عن حدود الأداة وحدود اليد التي تحملها.

ليست المسألة دائمًا: ما الذي في يدك؟ بل: هل تعرف حدود ما في يدك… وحدود يدك نفسها؟

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

إنسانيات26 دقائق قراءة

حين خرج الطوفان من موضع الخبز

لماذا جعل القرآن فوران التنور علامةً على بدء الطوفان؟ تتتبع هذه المقالة جذور التنور منذ أقدم صناعة للخبز، وتقارن بين روايات الطوفان في بلاد الرافدين وسفر التكوين والقرآن، وتستعرض اختلاف المفسرين حول معنى التنور، قبل أن تقترب من رمزيته الإنسانية: كيف تحوّل موضع النار والخبز من قلبٍ للحياة إلى أول منفذ للماء وإعلانٍ عن انهيار العالم القديم؟

إنسانيات4 دقائق قراءة

من أغمض عيني العدالة؟

نراها في المحاكم والكتب والأفلام: امرأة تحمل ميزانًا وسيفًا وتغطي عينيها عصابة. نظن أن صورتها وُلدت رمزًا للحياد، لكن تاريخها يخفي مفارقة مدهشة؛ فالعصابة ظهرت أولًا للسخرية من عدالة يمكن تضليلها، ثم انقلب معناها مع الزمن وأصبحت علامةً على المساواة أمام القانون. وبين المعنيين يبقى السؤال الأهم: هل تكون العدالة منصفة حين لا ترى الوجوه، أم حين ترى الجميع ولا تخضع لأحد؟

إنسانيات10 دقائق قراءة

يامبليخوس الأفامي… الفيلسوف الذي أعاد الروح إلى العالم

لم يكن يامبليخوس الأفامي فيلسوفًا يبحث عن الحقيقة في الكتب وحدها؛ فقد رأى العالم ممتلئًا بالإشارات، وأن الإنسان لا يبلغ الحكمة بالعقل المجرد فقط، بل بالتأمل والرمز والعمل الذي يغيّر حياته. ومن مدرسته في أفاميا أعاد بناء الأفلاطونية الحديثة، ومنح الأسطورة والعدد والطبيعة معنى جديدًا، حتى امتد أثره إلى مدارس فلسفية وروحية جاءت بعده بقرون. وبين حكاية الينابيع التي خرجت منها صورتا الحب، وفكرته عن المادة بوصفها جزءًا من نظام كوني حي، تظهر شخصية فيلسوف حاول أن يصالح العقل مع الدهشة، والإنسان مع العالم الذي يسكنه.