فكر8 دقائق للقراءة

الرحمة... حين نطقت الحجارة بما عجزت عنه القلوب

من نقوش الحضارات الأولى إلى ضمير الإنسان المعاصر... رحلة في تاريخ الرحمة وامتحانها أمام الظلم والاختلاف

من ترانيم سومر ونصوص مصر القديمة إلى حكمة منسيوس ونقوش الإمبراطور أشوكا، تكشف لنا الحضارات أن الرحمة لم تكن فكرة طارئة على الضمير الإنساني، بل قيمة عرفها الإنسان منذ آلاف السنين، وإن أخفق مرارًا في تجسيدها. تتتبع هذه المقالة شواهد الرحمة في التاريخ واللغة والفكر الديني والفلسفي، وتتأمل علاقتها بالعدل وكرامة الإنسان، ولا سيما حين يكون المحتاج إليها مختلفًا عنا في المعتقد أو الهوية أو الانتماء.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

مشهد رمزي لنقش حجري من وحي حضارات بلاد الرافدين، يصوّر شخصية تمد يدها نحو طفل يجلس بين الأطلال، في تعبير عن الرحمة الإنسانية عبر التاريخ، مع شعار موقع الصالح.
حين تمتد يد الرحمة من ذاكرة الحجر إلى الإنسان، يصبح التاريخ سؤالًا عن القيم التي عرفناها، وما زلنا نتعلم كيف نعيشها.

ما الذي بقي من وصايا الإنسان الأولى؟

لم تكن الحجارة التي تركتها الحضارات القديمة صامتة كما نظن. فمن بين أخبار الملوك والحروب والقرابين، احتفظت لنا بأصوات أخرى، أقل صخبًا وأشد قربًا من الإنسان: صوت يتحدث عن يتيم يحتاج إلى الحماية، وأرملة تبحث عن الأمان، وغريب لا يجد مأوى، وجائع ينتظر رغيفًا. والمفارقة أن بعض تلك الأصوات عبر آلاف السنين حتى وصل إلينا، بينما لم تعبر قيمها بالقدر نفسه إلى سلوك البشر. لقد تعلّم الإنسان كيف يحفظ كلماته على الحجر، لكنه لم يتعلّم دائمًا كيف يحفظ الإنسان من قسوة الإنسان. فهل كانت الرحمة حلمًا قديمًا لم يتحقق، أم معرفة أخلاقية عرفتها المجتمعات ثم أخفقت مرارًا في الوفاء بها؟

لقد تعلّم الإنسان كيف يحفظ كلماته على الحجر، لكنه لم يتعلّم دائمًا كيف يحفظ الإنسان من قسوة الإنسان.

حين ظهر الغريب في ذاكرة سومر

في ترنيمة سومرية مكرسة للإلهة نانشه، نقرأ وصفًا لافتًا لعنايتها باليتيم والأرملة، وإرشادها لمن أثقلته الديون، وحمايتها للاجئين، وسعيها إلى إيجاد موضع للضعفاء. تكمن أهمية هذا النص في أنه لا يحصر العناية في دائرة الأسرة، بل يتجاوزها إلى أشخاص فقدوا أسباب الحماية الاجتماعية. والأشد إثارة أن الغريب واللاجئ لم يكونا غائبين عن الخيال الأخلاقي لتلك الحضارة. وليس معنى ذلك أن سومر كانت مجتمعًا خاليًا من الظلم، أو أن ترنيمة دينية تكفي لإثبات عدالة نظامها الاجتماعي. إنما تكشف لنا الترنيمة أن العناية بالضعفاء كانت قيمة جديرة بالتقديس، وأن الإنسان القديم استطاع تصور مسؤولية أخلاقية تتجاوز القرابة والمصلحة. وهنا تبدأ أولى مفارقات الرحمة: أن تُعرف قيمة حماية الضعيف في مجتمعات لم تخلُ من التفاوت والقهر.

خبز الجائع في محكمة الموتى

وفي مصر القديمة، يحمل الفصل الخامس والعشرون بعد المئة من كتاب الموتى مشهدًا مختلفًا. يقف المتوفى، وفق التصور الديني المصري، مقدمًا بيانًا عن أعماله أمام قوى العالم الآخر. ومن بين ما يعلنه أنه أطعم الجائع، وسقى العطشان، وكسا العاري، وأعان من احتاج إلى وسيلة لعبور الماء. إنها تفاصيل يومية بسيطة، لكنها تكشف تصورًا بالغ الدلالة: أن حياة الإنسان لا تُقاس بما امتلكه وحده، بل بما فعله حين واجه حاجة الآخرين. واللافت أن الطعام والماء والكساء لم تظهر هنا بوصفها أعمالًا ثانوية؛ بل دخلت في خطاب الاستقامة الأخلاقية نفسه. ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين ما أعلنه المصري القديم عن الفضيلة وبين ما تحقق منها في المجتمع. فالنص الجنائزي شاهد على المعتقد والمثال الأخلاقي، وليس سجلًا شاملًا لسلوك الناس. ولعل هذا التمييز هو ما يجعل الآثار أكثر صدقًا في قراءتنا: فهي لا تخبرنا دائمًا كيف عاش الناس، لكنها تكشف أحيانًا كيف أرادوا أن يُحكم على حياتهم.

من الرَّحِم إلى الرحمة... ما الذي تقوله اللغة؟

وفي العربية، تلتقي كلمتا الرَّحِم والرَّحمة عند جذر لغوي واحد، هو الراء والحاء والميم. والرَّحِم موضع نشأة الإنسان وحفظه قبل ولادته، أما الرحمة فمعنى أخلاقي أوسع يتصل بالرأفة والعناية والإحسان. تمنحنا هذه القرابة اللغوية صورة بليغة: أن تكون الكلمة التي تدل على صلة النسب والاحتواء قريبة من الكلمة التي تدل على رعاية الآخرين ودفع الأذى عنهم. لكن جمال الصورة لا يبيح لنا تحويلها إلى حقيقة تاريخية غير مثبتة؛ فلا يكفي الاشتراك في الجذر لنقرر أن الرحمة الأخلاقية نشأت من تجربة الأمومة، أو أن البشر عرفوا معناها على هذا النحو أولًا. إنما يفتح لنا هذا الاشتراك بابًا للتأمل: فالإنسان الذي يبدأ حياته محتاجًا إلى الرعاية، يستطيع حين يكبر أن يصبح مسؤولًا عن رعاية غيره. وهنا تنتقل الرحمة من حاجة يتلقاها إلى قيمة يختار ممارستها.

طفل عند البئر... وامتحان الضمير

قبل أكثر من ألفي عام، طرح الفيلسوف الصيني منسيوس سؤالًا يبدو بسيطًا: ماذا يحدث في نفس الإنسان إذا رأى طفلًا يوشك أن يسقط في بئر؟ رأى منسيوس أن مشهدًا كهذا يثير الفزع والشفقة دون انتظار مكافأة أو مديح، ودون حاجة إلى معرفة الطفل أو والديه. لم يكن الطفل في هذا المثال ابنًا أو قريبًا أو صاحب منفعة؛ كان مجرد إنسان معرض للخطر. وهنا تبرز فكرة تستحق التأمل: قد تكون الاستجابة الأولى للألم سريعة وعفوية، لكن تحويلها إلى موقف أخلاقي ثابت يحتاج إلى تربية وإرادة وممارسة. فليس كل من تألم لمشهد الظلم قادرًا على مقاومته، وليس كل من أشفق على طفل مجهول مستعدًا لإنصاف إنسان يختلف معه.

إن المسافة بين الشعور بالرحمة والعمل بمقتضاها قد تكون أطول من المسافة بين حضارتين تفصل بينهما آلاف السنين.

حين اعترف المنتصر بألم المهزوم

وفي القرن الثالث قبل الميلاد، ترك الإمبراطور الهندي أشوكا شهادة استثنائية في مرسومه الصخري الثالث عشر، بعد غزوه إقليم كالينغا. فبدل الاكتفاء بتمجيد النصر، تحدث عن القتل والتهجير، وعن معاناة الناس وفراقهم لأحبائهم، وأعلن أسفه لما خلفته الحرب. ليس هذا النقش دليلًا كافيًا على أن أشوكا أصبح حاكمًا مثاليًا، ولا على أن الحروب توقفت في عصره. لكنه يكشف أمرًا نادرًا في خطاب السلطة: أن يرى المنتصر مأساة المهزوم، وأن يترك اعترافه بها في سجل عام. فالرحمة حين تصدر عن الضعيف قد تكون تعبيرًا عن الألم، لكنها حين تضبط سلوك القوي تصبح امتحانًا للسلطة نفسها. ومع ذلك، لا تكفي مشاعر الندم إن لم تتحول إلى أفعال تمنع تكرار المأساة؛ فالحجر يستطيع حفظ الاعتراف، أما العدالة فتحتاج إلى ما هو أبعد من النقش.

الرحمة التي لا تُقصي المختلف

من السهل أن نكون رحماء بمن نحب، وأن نتعاطف مع من يشبهوننا. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يكون المحتاج إلى الإنصاف غريبًا عنا في الدين أو الثقافة أو الموقف. وفي القرآن الكريم يرد اقتران بالغ الدلالة بين الإحسان والعدل في قوله تعالى: ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، في سياق الحديث عن الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم. وفي المثل الإنجيلي عن السامري الصالح، يصبح صاحب الفعل الرحيم هو من توقف لإغاثة الجريح، لا من اكتفى بالمرور إلى جواره. ولا يعني اجتماع هذه الشواهد تطابق الأديان والفلسفات في تصوراتها، لكنه يتيح لنا رؤية سؤال إنساني مشترك: هل تبقى كرامة الإنسان مصونة حين يختلف معنا؟ والرحمة هنا ليست تساهلًا مع الاعتداء، ولا دعوة إلى حرمان المظلوم من حقه. فالعدل يحمي الإنسان من الظلم، والرحمة تمنعنا من أن نفقد إنسانيتنا ونحن نطالب بالعدل. وحين تتحول الرحمة إلى ذريعة لإسكات الضحية، تفقد معناها. وحين تتحول العدالة إلى انتقام لا يعرف حدودًا، تفقد غايتها.

حين يصبح الإنسان أضعف من ذاكرته

ما أبعد المسافة بين سومر القديمة وعالمنا المعاصر! لقد تغيرت وسائل الحياة، وتضاعفت المعارف، وأصبح الإنسان قادرًا على التواصل مع أقصى الأرض في لحظات. لكن المسافة بين المعرفة والممارسة لم تضق بالقدر الذي نتمناه. فما زلنا نشهد مجتمعات تمزقها الانقسامات، وأناسًا تُنتهك كرامتهم بسبب معتقداتهم أو هوياتهم، وأطفالًا يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها. ولعل أخطر ما يصيب الضمير ليس الجهل بالرحمة، بل القدرة على تعطيلها انتقائيًا؛ أن نطالب بها لأنفسنا، ثم ننكرها على الآخرين، وأن نستنكر القسوة حين تصيب جماعتنا، ثم نبحث لها عن الأعذار حين تقع على من نختلف معهم. لقد حفظت الحجارة أصواتًا قديمة تحدثت عن حماية اليتيم، وإطعام الجائع، وإيواء الغريب، والندم على ضحايا الحرب. وهي أصوات لا ينبغي أن نقرأها بوصفها دليلًا على مثالية الماضي، بل بوصفها شهادة على أن الإنسان عرف منذ زمن بعيد شيئًا مما يحتاج إليه ليكون أكثر إنسانية.

ليست الحضارة أن نترك للأجيال حجارة تنطق بالرحمة، بل أن نترك لها عالمًا لا يضطر فيه الإنسان إلى استجداء الرحمة من أخيه الإنسان.

المصادر والمراجع

المراجع العربية

  • ترنيمة نانشه السومرية (Nanshe A) — مشروع المدونة الإلكترونية للأدب السومري (ETCSL)، جامعة أكسفورد، النص رقم 4.14.1، الأسطر 20–31. تتناول هذه الأسطر رعاية اليتيم والأرملة واللاجئ والضعيف. https://etcsl.orinst.ox.ac.uk/section4/tr4141.htm
  • كتاب الموتى المصري القديم، الفصل 125، القسم C — مشروع Digital Egypt for Universities، جامعة كوليدج لندن. يتضمن القسم الثالث من النص إعلان إطعام الجائع، وسقي العطشان، وكسوة العاري، ومساعدة من لا يملك قاربًا. https://www.ucl.ac.uk/museums-static/digitalegypt/literature/religious/bd125c.html
  • منسيوس، كتاب منسيوس، المقطع 2A:6 — مختارات من النصوص الفلسفية الصينية، مشروع Asia for Educators، جامعة كولومبيا. يتضمن مثال الطفل الذي يوشك أن يسقط في بئر، بوصفه شاهدًا على الاستجابة الإنسانية للمعاناة. https://miscredirect-prod.cc.columbia.edu/main_pop/ps/ps_china-mencius-human-nature.htm
  • أشوكا، المرسوم الصخري الثالث عشر (Major Rock Edict XIII) — النص المتعلق بغزو كالينغا وما أعقبه من قتل وتهجير وندم على معاناة السكان، ضمن المادة التعليمية التاريخية المنشورة في مستودع IGNOU الأكاديمي. https://egyankosh.ac.in/bitstream/123456789/84170/3/Unit-5.pdf
  • القرآن الكريم — سورة الممتحنة، الآية 8، في البر والقسط تجاه الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم.
  • الإنجيل بحسب لوقا، 10:25–37 — مثل السامري الصالح، في إغاثة الجريح ومعنى محبة القريب.

مساحة للحوار

تُنشر التعليقات بعد المراجعة.

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

إنسانيات26 دقيقة للقراءة

حين خرج الطوفان من موضع الخبز

لماذا جعل القرآن فوران التنور علامةً على بدء الطوفان؟ تتتبع هذه المقالة جذور التنور منذ أقدم صناعة للخبز، وتقارن بين روايات الطوفان في بلاد الرافدين وسفر التكوين والقرآن، وتستعرض اختلاف المفسرين حول معنى التنور، قبل أن تقترب من رمزيته الإنسانية: كيف تحوّل موضع النار والخبز من قلبٍ للحياة إلى أول منفذ للماء وإعلانٍ عن انهيار العالم القديم؟

فكر10 دقائق للقراءة

القاضي الرحيم… حين يكون العدل أكبر من العقوبة

من طفولة فرانك كابريو المتواضعة إلى تجربته على منصة القضاء، حكاية قاضٍ تعلّم أن يرى الإنسان خلف المخالفة، وفتح بسيرته سؤالًا أعمق: هل تتحقق العدالة بتطبيق القانون وحده، أم بالإنصاف الذي يحفظ كرامة الإنسان؟

إنسانيات4 دقائق للقراءة

من أغمض عيني العدالة؟

نراها في المحاكم والكتب والأفلام: امرأة تحمل ميزانًا وسيفًا وتغطي عينيها عصابة. نظن أن صورتها وُلدت رمزًا للحياد، لكن تاريخها يخفي مفارقة مدهشة؛ فالعصابة ظهرت أولًا للسخرية من عدالة يمكن تضليلها، ثم انقلب معناها مع الزمن وأصبحت علامةً على المساواة أمام القانون. وبين المعنيين يبقى السؤال الأهم: هل تكون العدالة منصفة حين لا ترى الوجوه، أم حين ترى الجميع ولا تخضع لأحد؟