الإنتروبيا… حين تنتصر الفوضى بصمت
عن الكلفة الخفية التي يحتاجها كل نظام كي يبقى
لا تحفظ الأنظمة ترتيبها من تلقاء نفسها؛ فالحياة نفسها تدفع طاقةً متواصلة كي تصون انتظامها. تأملٌ في الإنتروبيا بوصفها حقيقةً فيزيائية تفتح سؤالًا إنسانيًا: ماذا يحدث للعلاقات والقيم والعدالة حين نتوقف عن رعايتها؟

صالح يونس سليمان
بقلم

حين يكون التبدد هو الطريق الأسهل
للفوضى امتيازٌ لا يملكه النظام: أنها لا تحتاج إلى من يحرسها. اترك فنجانًا ساخنًا على الطاولة، يبرد. اترك بناءً طويلًا بلا صيانة، تتسلل إليه الشقوق. اترك جسدًا بلا غذاء ولا عناية، يبدأ بفقدان قدرته على حفظ توازنه. أما الكأس المكسور، فلا يجمع شظاياه ويعود إلى صورته الأولى.
ثمة اتجاه تمضي فيه الأشياء تلقائيًا، واتجاه آخر لا يتحقق إلا إذا بُذلت طاقة لإعادتها أو المحافظة عليها. في الفيزياء، تقودنا هذه الفكرة إلى مفهوم الإنتروبيا.
ما الذي تقوله الإنتروبيا؟
ليست الإنتروبيا مرادفًا بسيطًا للفوضى كما نستعملها في حياتنا اليومية؛ إنها مفهوم أدق، يرتبط بتشتت الطاقة وبعدد الحالات الممكنة التي يستطيع النظام أن يوجد عليها. وينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية، في أحد تعبيراته، على أن إنتروبيا النظام المعزول لا تنقص في التحولات التلقائية: تبقى ثابتة في العملية العكوسة المثالية، وتزداد في العمليات اللاعكوسة.
النظام حالة تحتاج إلى شروط، أما التبدد فاحتمالاته أوسع.
الحياة تدفع كلفة انتظامها
تبدو الحياة، للوهلة الأولى، كأنها تعترض على هذا الاتجاه. فالخلية تبني، والجسد يرمم، والبذرة تجمع مادتها المتناثرة وتصنع منها شجرة. غير أن الحياة لا تلغي القانون ولا تنتصر عليه؛ فالكائن الحي ليس نظامًا معزولًا. إنه يأخذ الطاقة والمادة من محيطه، ويطرح إليه الحرارة والفضلات، ويحافظ على انتظامه الداخلي بدفع كلفة متواصلة.
الحياة لا تهزم الإنتروبيا؛ إنها تؤجّل أثرها محليًا، وتدفع ثمن انتظامها في كل لحظة.
من القانون إلى الإنسان
هنا تنتهي العبارة الفيزيائية، وتبدأ الاستعارة الإنسانية. فالمعادلة لا تقول إن الحب يبرد، ولا إن الصداقة تتآكل، ولا إن العدالة تحتاج إلى من يحرسها. تلك ليست نتائج علمية، بل أسئلة يوقظها القانون فينا حين ننظر من الطبيعة إلى الإنسان.
العلاقات، مثل الكائنات الحية، لا تحفظ صورتها الأولى من تلقاء نفسها. الثقة لا تنهار دائمًا بخيانة كبرى؛ قد تُستنزف بوعود صغيرة لا تُوفى. والحب لا ينطفئ في ليلة واحدة؛ قد يفقد حرارته في التفاصيل التي لم نعد نراها جديرة بالاهتمام. والصداقة لا تنتهي دائمًا بخلاف؛ قد تتحول إلى مسافة حين نؤجل السؤال مرة بعد أخرى، حتى يصبح الغياب هو اللغة الوحيدة الباقية.
الانهيار الذي لا يُسمع
الأشياء الجميلة لا تنهار غالبًا بضربة واحدة؛ إنها تفقد تماسكها قليلًا قليلًا، حين نتوقف عن تزويدها بما تحتاجه كي تبقى. وينطبق الأمر نفسه على المجتمعات. فالظلم لا يبدأ دائمًا بوصفه نظامًا كاملًا. قد يدخل من استثناء صغير، ثم يتكرر، ثم يجد من يبرره، ثم تمنحه اللغة اسمًا أقل قسوة، حتى يستقر في الحياة العامة كأنه جزء من طبيعتها.
يبدأ الخطأ صادمًا، ثم يصبح متكررًا، ثم مألوفًا، ثم غير مرئي.
لا تسقط بعض القيم لأنها هُزمت في مواجهة كبرى، بل لأنها تُركت طويلًا بلا دفاع. ولهذا لا يكون الصمت دائمًا حيادًا. فحين يكون الإنسان قادرًا على الاعتراض ثم يختار الراحة، فهو لا يصنع الظلم بيده، لكنه يمنحه وقتًا إضافيًا كي يرسخ جذوره. وحين يعرف أن اعتذارًا صادقًا قد ينقذ علاقة ثم يؤجله، فهو لا يقطع الخيط، لكنه يتركه يضعف. وحين يتكرر الخطأ أمام أعيننا حتى نتوقف عن استنكاره، لا يكون الخطأ قد أصبح صوابًا؛ بل تكون حساسيتنا الأخلاقية هي التي بدأت تفقد انتظامها.
لسنا أنظمةً معزولة
الإنسان لا يقف عاجزًا أمام هذا التبدد. فعلاقاتنا ليست أنظمة معزولة. نستطيع أن ندخل إليها طاقة جديدة: انتباهًا بعد غفلة، واعتذارًا بعد خطأ، وحوارًا بعد صمت، وعدلًا بعد اختلال. نستطيع أن نرتب، ونصلح، ونراجع، ونقاوم، ونبدأ من جديد. وقد لا يعيد الترميم الأشياء دائمًا إلى صورتها الأولى، لكنه يمنع الإهمال من أن يكون القوة الوحيدة التي تقرر مصيرها.
- كلمة نقولها قبل أن تفقد وقتها.
- يد نمدها قبل أن تتسع المسافة.
- ظلم نعترض عليه قبل أن يصبح عادة.
- خطأ نراه خطأً ولو اعتاده الجميع.
كلفة الأشياء الجميلة
الفوضى لا تدخل حياتنا دائمًا من الأبواب الكبيرة؛ كثيرًا ما تتسلل من شقوق الإهمال. ولسنا مطالبين بأن نوقف القانون الذي يسري في الكون، ولا بأن نستخرج من الفيزياء دستورًا للأخلاق. يكفينا أن نفهم الإشارة: كل انتظام له كلفة، وكل قيمة لا تجد من يرعاها تبدأ بفقدان مكانها في العالم. في الكون، لا يبقى النظام بلا طاقة. وفي الإنسان، لا يبقى العدل بلا إرادة، ولا الحب بلا عناية، ولا الإنسانية بلا فعل.
الأشياء الجميلة لا تبقى لأنها قوية؛ بل لأن يدًا ما تدفع، كل يوم، كلفة بقائها.
اقرأ أيضًا
فيزياء الروح
تصف الفيزياء العالم بلغة الرصد والقياس، لكنها تترك في الذهن أسئلة تتجاوز المعادلة: ماذا تذكّرنا الانتروبيا عن حاجتنا إلى العناية؟ وماذا يكشف عدم اليقين عن حدود معرفتنا؟ رحلة تأملية تستعير من الكون أسئلتها، من دون أن تجعل قوانينه برهانًا على الروح أو مصدرًا للأخلاق.
فيثاغورس… حين كان العدد سرًّا للكون
نعرف فيثاغورس من مثلثٍ حفظناه في المدرسة، لكن وراء ذلك الاسم حكاية أكثر غرابة وثراءً: فيلسوف أحاطت به الأساطير، وجماعة جعلت من العدد والموسيقى والروح والانضباط طريقًا لفهم العالم والإنسان. فمن كان فيثاغورس حقًا؟ وما الذي نعرفه عن أسراره وتعاليمه وتلاميذه؟ وأين تنتهي الحقيقة ويبدأ ما صنعته القرون من أسطورة؟
كلُّ شيءٍ يدلّ عليه… ولا شيء يشبهه
قد يخبرنا الأثر أن أحدًا مرّ، لكنه لا يكشف لنا وجهه. ومن هذا الفرق بين الدلالة والإحاطة تبدأ رحلة العقل من العالم المشهود إلى سؤال الغيب، ثم إلى معنى الرسالة وحدود ما نعرفه عن الله.



