فكر4 دقائق قراءة

قانون حفظ الطاقة… وما الذي يحدث لمشاعرنا؟

بين تحوّل الطاقة في الطبيعة وانتقال الأثر الإنساني من قلب إلى آخر

تقول الفيزياء إن الطاقة لا تُخلق من عدم ولا تفنى، بل تنتقل وتتحول من صورة إلى أخرى. ولا يعني ذلك أن المشاعر طاقة بالمعنى العلمي؛ غير أن هذا القانون يمنحنا استعارة إنسانية لافتة: فالكلمات والأفعال قد تنتهي في لحظتها، لكن آثارها تواصل حياتها في الآخرين، متحولةً إلى خوف أو طمأنينة، وإلى قسوة تنتقل أو رحمة تتكاثر.

صالح يونس سليمان

صالح يونس سليمان

بقلم

مشهد رمزي عند الغروب لرجل يمد يده إلى شخص جالس، بينما تنتقل خيوط ذهبية مضيئة بين مجموعة من الناس، في تعبير عن انتقال أثر الرحمة من إنسان إلى آخر.
قد تنتهي أفعالنا في لحظتها، لكن آثارها تواصل السير في حياة الآخرين؛ قسوةً تنتقل، أو رحمةً تتكاثر.

ما الذي يختفي حقًّا؟

حين ينطفئ مصباح، يبدو لنا أن الضوء قد اختفى. وحين تتوقف كرة متحركة، نظن أن حركتها انتهت بلا أثر. لكن الفيزياء تنظر إلى المشهد بطريقة مختلفة؛ فالطاقة لم تتلاشَ، وإنما انتقلت أو تحولت إلى صور أخرى، كالحرارة والصوت.

هذا هو جوهر قانون حفظ الطاقة: في النظام المعزول لا تُخلق الطاقة من العدم ولا تفنى، وإنما تتبدل أشكالها. فما نراه نهايةً لصورة قد يكون بدايةً لصورة أخرى، وما يغيب عن أعيننا لا يكون قد خرج بالضرورة من حساب الطبيعة.

«ما ينتهي أمام أعيننا قد يكون قد بدأ أثرًا جديدًا في مكان آخر.»

المشاعر لا تُقاس بالجول

لكن ينبغي أن نكون واضحين: المشاعر ليست طاقةً بالمعنى الفيزيائي، ولا تخضع كلماتنا لقانون يمكن قياسه في المختبر. فلا توجد معادلة تحسب مقدار الحزن الذي تتركه إهانة، ولا جهاز يقيس الطمأنينة التي تمنحها كلمة صادقة.

ما يمنحنا إياه القانون هنا ليس برهانًا علميًّا على سلوك المشاعر، بل استعارة تساعدنا على رؤية ما نغفل عنه: أفعال الإنسان قد تنقضي في لحظتها، لكن نتائجها لا تنتهي معها. فقد تتحول كلمة إلى خوف، ونظرة إلى شك، ولفتة رحيمة إلى أمان يرافق صاحبه سنوات.

حين تغيّر الكلمة شكلها

قد تُقال الكلمة القاسية في ثوانٍ، ثم ينساها قائلها قبل نهاية اليوم. لكنها قد تبقى في قلب من سمعها، وتتحول مع الوقت إلى تردد في الكلام، أو خوف من المحاولة، أو مسافة بينه وبين الآخرين.

وقد يحدث العكس أيضًا. ربما لا تتجاوز لفتة العطف لحظةً قصيرة، لكن إنسانًا كان على وشك الانهيار قد يجد فيها سببًا للاستمرار. وقد تتحول كلمة ثقة سمعها طفل في يوم بعيد إلى صوت داخلي يرافقه كلما شك في قدرته.

نحن لا نتذكر دائمًا ما قلناه للآخرين، لكنهم قد يعيشون طويلًا مع ما تركه كلامنا فيهم. فاللحظة تنتهي بالنسبة إلينا، بينما يبدأ أثرها لدى شخص آخر.

«قد تنتهي الكلمة عند فم قائلها، لكنها تبدأ حياةً كاملة في قلب سامعها.»

الأثر الذي ينتقل

الغضب الذي نفرغه في وجه إنسان ضعيف لا يتوقف دائمًا عنده. قد يحمله إلى بيته، فيقسو على من هم أضعف منه، ثم يواصل الأذى انتقاله من شخص إلى آخر، حتى يصبح ألمًا لا يتذكر أحد أين بدأ.

والرحمة تستطيع أن تسلك الطريق نفسه في الاتجاه المقابل. فقد تمنح غريبًا معاملة كريمة، فيستعيد شيئًا من ثقته بالناس، ثم ينقل هذا الشعور إلى شخص لن تلتقيه أبدًا. وهكذا قد تمتد لفتة صغيرة إلى حياة لا نعرف أسماء أصحابها.

«القسوة تنتقل، لكن الرحمة أيضًا تعرف كيف تتكاثر.»

مسؤولون عمّا نتركه يتحرك

هنا تتسع مسؤوليتنا الإنسانية. فنحن لا نعيش داخل حدود أفعالنا وحدها؛ بل نترك في الآخرين شيئًا قد يواصل الحركة بعد مغادرتنا. نبرة صوت، أو لحظة إذلال، أو وقفة وفاء، قد تؤثر في الطريقة التي يرى بها إنسان نفسه والعالم من حوله.

ولا يعني ذلك أننا مسؤولون عن كل قرار يتخذه الآخرون بعد لقائنا، فالإنسان يظل صاحب اختياره. لكننا مسؤولون عن الشيء الذي وضعناه في طريقه: هل زدنا حمله ثقلًا، أم منحناه ما يساعده على مواصلة السير؟

«لسنا مسؤولين عن كل ما يفعله الآخرون، لكننا مسؤولون عمّا نضعه في قلوبهم ونحن نعبر حياتهم.»

قبل أن يغادرنا الفعل

لا نستطيع أن نقيس آثارنا كما تُقاس الطاقة في المختبر. وربما لن نعرف أبدًا كم أنقذت كلمة قلناها، أو كم أوجعت عبارة ألقيناها بلا اكتراث. غير أن جهلنا بحجم الأثر لا يعفينا من التفكير فيه.

قبل أن نتكلم، يمكننا أن نسأل: إلى ماذا قد تتحول هذه الكلمة في قلب من يسمعها؟ وقبل أن نتصرف، يمكننا أن نتساءل: هل سيخرج من هذه اللحظة إنسان أكثر خوفًا، أم أكثر قدرة على الثقة؟

لا يخبرنا قانون حفظ الطاقة بما يحدث لمشاعرنا، فهذه ليست مهمته. لكنه يذكّرنا بصورة تستحق التأمل: ما يغادرنا لا ينتهي دائمًا عند حدودنا. قد نطلق في العالم قسوةً تبحث عن ضحية جديدة، وقد نمنحه رحمةً تبحث عن قلب آخر كي تسكنه. وربما لا نملك أن نحدد إلى أي مدى سيصل أثرنا، لكننا نملك أن نختار ما نبدأ به. لذلك يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كلماتنا وأفعالنا: أيُّ أثر أريد له أن يواصل الطريق بعدي؟

شارك المقالWhatsAppXFacebookLinkedIn

اقرأ أيضًا

فكر3 دقائق قراءة

فيزياء الروح

تصف الفيزياء العالم بلغة الرصد والقياس، لكنها تترك في الذهن أسئلة تتجاوز المعادلة: ماذا تذكّرنا الانتروبيا عن حاجتنا إلى العناية؟ وماذا يكشف عدم اليقين عن حدود معرفتنا؟ رحلة تأملية تستعير من الكون أسئلتها، من دون أن تجعل قوانينه برهانًا على الروح أو مصدرًا للأخلاق.

فكر4 دقائق قراءة

الإنتروبيا… حين تنتصر الفوضى بصمت

لا تحفظ الأنظمة ترتيبها من تلقاء نفسها؛ فالحياة نفسها تدفع طاقةً متواصلة كي تصون انتظامها. تأملٌ في الإنتروبيا بوصفها حقيقةً فيزيائية تفتح سؤالًا إنسانيًا: ماذا يحدث للعلاقات والقيم والعدالة حين نتوقف عن رعايتها؟

فكر7 دقائق قراءة

مبدأ عدم اليقين… حين لا تكفي زاوية واحدة لرؤية الإنسان

في العالم الكمّي، لا يمكن تحديد موضع الجسيم وزخمه معًا بدقة غير محدودة. لا تصف هذه العلاقة النفس البشرية، لكنها تفتح أمامنا استعارة إنسانية عميقة: ما نراه من الإنسان حقيقي، لكنه ليس حقيقته كلها. وبين محاسبة الفعل وادعاء معرفة صاحبه بالكامل، تنشأ مساحة ضرورية للتواضع والعدل والرحمة.